عندما تُتلى سورة التكوير، تتوالى مشاهدها كأنها لقطات متسارعة ليوم ينقلب فيه نظام الكون كله؛ الشمس تُكوَّر، والنجوم تنكدر، والجبال تُسيَّر، والبحار تُسجَّر، والسماء تُكشط، والجحيم تُسعَّر، والجنة تُزلف.
وسط هذه المشاهد الكونية العظيمة، يقف القارئ عند آيتين طال حولهما الحديث:
﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾
واشتهر في كتب التفسير أن العشار هي النوق الحوامل التي بلغت شهرها العاشر، وأن الناس يتركونها لهول القيامة، كما اشتهر أن الوحوش هي الحيوانات التي تُجمع يوم القيامة.
لكن هذه القراءة التدبرية تنطلق من سؤال مختلف:
هل أراد القرآن في هذا الموضع أن ينتقل فجأة من الحديث عن انقلاب الكون إلى الحديث عن ناقة وحيوانات برية؟ أم أن السياق كله ما زال يرسم مشهد الإنسان وهو يدخل أعظم لحظات المصير؟
فالقرآن كثيرًا ما يجعل السياق هو مفتاح فهم الألفاظ، ولذلك تحاول هذه القراءة جمع الآيات التي تصف ذلك اليوم، وربطها بعضها ببعض، للوصول إلى صورة متماسكة دون الخروج عن النص القرآني.
ومن هذا المنطلق، تطرح هذه الرؤية أن لفظ العشار قد يُقرأ - في هذا التدبر - بوصفه متصلًا بجذر العِشرة والعلاقات الإنسانية، وأن تعطيل العشار قد يشير إلى انهيار كل الروابط التي كانت تقوم عليها الحياة الدنيا، حتى يصبح الإنسان منفردًا لا ينفعه قريب ولا صاحب.
ثم تأتي الآية التالية مباشرة:
﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾
لتفتح بابًا آخر للتدبر؛ فهل المقصود بها الحيوانات، أم أن القرآن يرسم حالة الوحشة التي يعيشها الإنسان بعدما تعطلت عِشرته، وانقطعت كل صلاته، ووقف وحده بين يدي ربه؟ هذه ليست محاولة لمعارضة ما قيل، وإنما قراءة تدبرية تحاول الربط بين آيات القرآن نفسها، والنظر في السياق الكامل لمشهد القيامة، لتسأل:
هل تصف هاتان الآيتان الإبل والدواب... أم تصفان انهيار العلاقات الإنسانية، ثم شعور الإنسان بالوحشة المطلقة وهو يقف منفردًا للحساب؟
ما المقصود بـ﴿الْعِشَارُ﴾؟ وهل يقف التدبر عند الناقة أم يتجاوزها إلى الإنسان؟
من أشهر ما قيل في تفسير هذه الآية أن العِشار هي النوق التي بلغت الشهر العاشر من حملها، وكانت عند العرب من أنفس أموالهم وأعظمها قيمة، فإذا جاء ذلك اليوم تُركت ولم يعد أحد يلتفت إليها لهول ما يرى.
وهذه قراءة معروفة في كتب التفسير، غير أن هذه القراءة التدبرية تتوقف عند أمرين.
الأول: أن سورة التكوير منذ بدايتها ترسم مشهدًا متسلسلًا لانهيار الأنظمة الكبرى؛ فالشمس تكور، والنجوم تنكدر، والجبال تسير، والبحار تسجر، والسماء تكشط... وكلها صور تتحدث عن سقوط ما كان يقوم عليه نظام الحياة.
ومن هنا يبرز سؤال يستحق التأمل:
هل منسجم مع هذا السياق أن ينتقل الخطاب فجأة إلى ناقة بعينها، ثم يعود بعد ذلك إلى مشاهد الحساب والجزاء؟
أما الأمر الثاني، فهو أن القرآن نفسه يفسر كثيرًا من مشاهده بمشاهد أخرى في مواضع مختلفة، ولذلك يصبح من المشروع أن نجمع الآيات التي تصف يوم القيامة قبل أن نقف عند معنى لفظة واحدة.
وعند تتبع هذه المشاهد، نجد أن القرآن يكرر الحديث عن انهيار العلاقات الإنسانية بصورة لافتة.
قال تعالى:
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾
فهنا لا يتحدث القرآن عن انهيار المال، بل عن انهيار أقوى الروابط التي عرفها الإنسان في الدنيا؛ الأخ، والأب، والأم، والزوجة، والأبناء.
ويقول سبحانه:
﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾
ويقول:
﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾
ويقول:
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾
وكأن القرآن يرسم صورة متكررة لحقيقة واحدة، وهي أن كل ما كان يربط الإنسان بغيره في الدنيا يتوقف أثره عند ذلك المشهد.
ومن هنا تنطلق هذه القراءة التدبرية لتطرح احتمالًا آخر في فهم الآية.
فقد يكون لفظ العِشار - في هذا الطرح - لا يلفت النظر إلى الناقة، وإنما إلى العِشرة نفسها؛ أي شبكة العلاقات التي عاش الإنسان في ظلها طوال حياته. فالإنسان في الدنيا لا يعيش منفردًا، وإنما يعيش داخل منظومة كاملة من الأهل، والأصدقاء، والجيران، والأقارب، والزملاء، وكل هؤلاء يشكلون ما يمكن أن يسمى عِشرة الحياة.
لكن عندما تقوم الساعة، تتعطل هذه المنظومة كلها.
لا يبقى أب يحمي ابنه.
ولا ابن ينفع أباه.
ولا زوجة تساند زوجها.
ولا صديق يحمل عن صديقه شيئًا.
بل يقف كل إنسان وحده أمام عمله.
ولهذا ترى هذه القراءة أن قوله تعالى:
﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾
يمكن أن يُقرأ بوصفه تصويرًا لتعطل العِشرة الإنسانية التي كانت تمثل للإنسان مصدر الأنس، والقوة، والاعتماد، حتى يصبح كل فرد منفصلًا عن الجميع، لا يحمل إلا عمله.
ومن هنا لا تبدو الآية - في هذه الرؤية - خارجة عن سياق السورة، بل تصبح امتدادًا طبيعيًا لمشهد انهيار الكون، ولكن هذه المرة في الكون الاجتماعي للإنسان؛ فكما تتفكك الأنظمة الكونية، تتفكك كذلك الأنظمة الإنسانية، ويبدأ الإنسان أولى لحظات الغربة المطلقة.
وهنا تأتي الآية التالية مباشرة:
﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾
فهل ما زال السياق يتحدث عن الحيوانات، أم أنه يكمل تصوير الحالة النفسية التي يعيشها الإنسان بعدما تعطلت عِشرته، وأصبح وحيدًا أمام مصيره؟
من هم ﴿الْوُحُوشُ﴾ في هذا المشهد؟ وهل يتحدث القرآن عن الدواب أم عن الإنسان عندما يفقد كل أسباب الأنس؟
بعد قوله تعالى:
﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾
تأتي الآية مباشرة:
﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾
وقد شاع في كتب التفسير أن المقصود بالوحوش هو الحيوانات البرية التي تُجمع يوم القيامة.
غير أن هذه القراءة التدبرية تنطلق من سؤال آخر:
إذا كان القرآن في الآية السابقة يصور انهيار العِشرة الإنسانية، فهل يمكن أن تكون الآية التالية تصف الأثر النفسي المباشر لهذا الانهيار؟
إن أول ما يفقده الإنسان عندما تنهار جميع علاقاته هو الأُنس.
والعرب تقابل بين الأُنس والوحشة؛ فإذا غاب الأنس، حضرت الوحشة، وإذا انقطعت العِشرة، بقي الإنسان وحيدًا يواجه مصيره.
ومن هنا ترى هذه القراءة أن ترتيب الآيتين ليس عشوائيًا.
فالأولى تتحدث عن تعطل العِشرة.
والثانية تصور ما يولده هذا التعطل داخل الإنسان من وحشة مطلقة.
ولذلك لا يقف التدبر هنا عند معنى الوحوش بوصفها حيوانات، وإنما ينظر إلى الجذر اللغوي نفسه؛ فـ الوحشة في اللغة هي ضد الأنس، وهي الشعور الذي يسيطر على الإنسان عندما ينفرد، وينقطع عمن كان يألفهم.
وعندما نجمع هذه الفكرة مع بقية آيات القيامة، نجد صورة متكاملة يرسمها القرآن.
قال تعالى:
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾
ويقول:
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾
ويقول سبحانه:
﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾
ويقول:
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ﴾
وليس:
يجتمع.
فالقرآن يرسم حالة الفردية المطلقة.
كل إنسان منفرد.
كل نفس وحدها.
كل واحد يحمل عمله.
ولا أحد يستطيع أن يحمل عن أحد شيئًا.
ومن هنا، ترى هذه القراءة أن قوله تعالى:
﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾
يمكن أن يُقرأ بوصفه انتقالًا من تعطل العلاقات إلى الحالة النفسية الناتجة عنها؛ وهي شعور الإنسان بالوحشة، والغربة، والانفراد الكامل أمام الله.
وتزداد هذه الرؤية قوةعند النظر إلى مشهد البعث كما يصوره القرآن.
قال تعالى:
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾
وتتوقف هذه القراءة عند تعبير القرآن:
﴿وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾
فالحديث كله يدور حول النفوس المكلفة، وهي التي تُحاسب، ويُوضع لها الكتاب، ويُقضى بينها بالحق. ومن هنا ترى هذه الرؤية أن السياق القرآني لمشهد الحساب كله يركز على الإنسان، لا على الحيوان؛ إذ إن الحساب، والجزاء، والكتاب، والأنبياء، والشهداء، كلها عناصر تدور حول التكليف الإنساني.
ولهذا، فإن هذه القراءة لا ترى في قوله تعالى:
﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾
مجرد انتقال إلى الحديث عن الدواب، بل ترى أنه استمرار لمشهد الإنسان نفسه، وقد بلغ من الانفراد والخوف والوحشة مبلغًا لم يعرفه في حياته قط، بعد أن تعطلت كل عِشرة، وانقطعت كل علاقة، ولم يبق معه إلا عمله الذي قدمه بين يدي ربه.
كيف يرسم القرآن مشهد الوحشة يوم القيامة؟ وهل يفسر بعضه بعضًا؟
من القواعد التي تقوم عليها هذه القراءة التدبرية أن القرآن لا تُفهم آياته بمعزل عن بعضها، بل إن كثيرًا من مشاهده يكتمل بضم الآيات التي تتناول الموضوع نفسه، حتى تتكون الصورة الكاملة.
ومن هذا المنطلق، إذا انتقلنا من سورة التكوير إلى بقية السور التي تصف يوم القيامة، وجدنا أن القرآن يكرر مشهدًا واحدًا بصور متعددة؛ مشهد الإنسان وقد فقد كل من كان يؤنسه في الدنيا.
قال تعالى:
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾
وتقف هذه القراءة عند ترتيب الآيات؛ فالقرآن لا يبدأ بالحديث عن الأعداء، بل يبدأ بأقرب الناس إلى الإنسان.
الأخ.
ثم الأم.
ثم الأب.
ثم الزوجة.
ثم الأبناء.
أي إن كل علاقة كانت تمثل للإنسان مصدرًا للأمان والأنس في الدنيا تصبح عاجزة عن أن تقدم له شيئًا في ذلك اليوم.
ثم يأتي التعليل مباشرة:
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾
أي إن كل إنسان ينشغل بنفسه انشغالًا كاملًا، حتى لا يبقى في قلبه متسع لغير مصيره.
ويقول سبحانه في موضع آخر:
﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾
فالحميم هو أقرب الناس وأشدهم مودة، ومع ذلك لا يسأل عنه، ولا يستطيع أن ينفعه.
ويقول تعالى:
﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
فتسقط أسباب القوة التي كان الإنسان يعتمد عليها في الدنيا.
لا المال.
ولا الأولاد.
ولا القرابة.
ولا المكانة.
ولا الجاه.
بل يبقى الإنسان مجردًا من كل شيء إلا عمله.
ومن هنا، ترى هذه القراءة أن قوله تعالى:
﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾
يتناغم مع هذه المشاهد جميعًا؛ إذ يصور لحظة انهيار منظومة العلاقات الإنسانية.
ثم تأتي بعدها مباشرة:
﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾
لتصور الحالة النفسية التي يولدها هذا الانهيار؛ فحين يفقد الإنسان كل من كان يأنس بهم، ولا يبقى حوله أحد يحمل عنه شيئًا، يصبح في أعلى درجات الوحشة. ولذلك ترى هذه الرؤية أن الآيتين لا تتحدثان عن مشهدين منفصلين، بل عن مشهد واحد يبدأ بتعطل العِشرة، وينتهي بالوحشة التي تملأ نفس الإنسان.
وهذا يجعل السياق أكثر انسجامًا مع بقية سورة التكوير؛ فالسورة كلها تنتقل من انهيار نظام الكون إلى انهيار نظام الإنسان، حتى يصل المشهد إلى ذروته، حين يقف كل إنسان وحده بين يدي ربه، لا يملك إلا ما قدمت يداه. ومن هنا، فإن هذه القراءة ترى أن التعبير القرآني بالغ الدقة؛ إذ لم يقل: "وإذا الوحشة حضرت"، وإنما جاء بلفظ ﴿الْوُحُوشُ﴾، ليصور الإنسان نفسه وقد أصبح يعيش حالة من الوحشة الكاملة بعد أن انقطعت عنه كل أسباب الأنس، وأصبح منفردًا أمام الحساب، في مشهد يملؤه الخوف، والغربة، وترقب المصير، حتى لا يبقى للإنسان في ذلك اليوم إلا ربه وعمله.
هل تصف الآيتان مشهدًا للحيوانات أم مشهدًا للإنسان وهو يواجه مصيره وحده؟
قد يقال: إذا كان لفظ الوحوش يُفهم في اللغة على الحيوانات البرية، فلماذا يُطرح هذا الفهم الآخر؟ والجواب في هذه القراءة التدبرية أن المقصود ليس إلغاء المعنى اللغوي، وإنما النظر إلى السياق القرآني الكامل، لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا، ولا تُقرأ آية القيامة بمعزل عن بقية مشاهد القيامة.
فعندما يصف القرآن النفخة الثانية، لا يوجه أنظارنا إلى الحيوانات، وإنما يوجهها إلى الحساب.
قال تعالى:
﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾
ويلاحظ أن جميع عناصر المشهد تدور حول الإنسان المكلف:
- الكتاب.
- الأنبياء.
- الشهداء.
- القضاء.
- الحساب.
- الجزاء.
- كل نفس.
ولا يظهر في هذا السياق أي حديث عن محاسبة الحيوانات أو عرض أعمالها.
بل إن القرآن كلما تحدث عن الجزاء، جعله متعلقًا بالإنسان الذي حمل الأمانة، وكُلِّف بالاختيار، وسيقف بين يدي الله منفردًا ليحاسب على عمله. ومن هنا ترى هذه القراءة أن سورة التكوير تسير في الاتجاه نفسه؛ فهي تبدأ بانهيار النظام الكوني، ثم تنتقل إلى انهيار النظام الإنساني، ثم تنتهي بمشهد الحساب.
ولو تأملنا ترتيب الآيات لرأينا هذا التسلسل واضحًا:
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾
ثم:
﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾
ثم:
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾
ثم:
﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾
ثم:
﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾
ثم:
﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾
ثم:
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾
ثم:
﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾
ثم:
﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾
وهنا تقف هذه القراءة عند ملاحظة تراها مهمة؛ فالسورة بعد قوله تعالى:
﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾
لا تنتقل إلى الحديث عن مصير الحيوانات، وإنما تعود مباشرة إلى النفوس، ثم الصحف، ثم الحساب.
وكأن المشهد كله يدور حول الإنسان منذ بدايته إلى نهايته.
ومن هذا المنطلق، ترى هذه الرؤية أن قراءة الوحوش بوصفها تعبيرًا عن حالة الوحشة التي يعيشها الإنسان بعد انهيار عِشرته، تجعل جميع مشاهد السورة مترابطة؛ فالكون ينهار، والعلاقات تنهار، والإنسان يعيش أقصى درجات الغربة، ثم يقف منفردًا أمام كتابه، حتى يختم الله السورة بقوله:
﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾
ولم يقل:
علمت الأمم.
ولا:
علمت الجماعات.
ولا:
علمت الأسر.
بل قال:
**﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾.
وكأن رحلة السورة كلها تنتهي عند الحقيقة نفسها التي بدأت تتشكل منذ قوله تعالى:
﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾
فلا يبقى للإنسان في ذلك اليوم أهل، ولا أصحاب، ولا عشيرة، ولا سند، ولا أنيس، بل يقف وحده، في مشهد تمتلئ فيه النفس بالوحشة من هول ما ترى، منتظرًا أن يُقال لها: هذا كتابك، وهذا عملك، وهذا جزاؤك.
وختاماً، عند جمع مشاهد القيامة في القرآن، تتكرر حقيقة واحدة بصورة لافتة؛ وهي أن الإنسان في ذلك اليوم يُجرد من كل ما كان يمنحه القوة والأمان في الدنيا.
فالأرض تتغير.
والسماء تتبدل.
والجبال تزول.
والبحار تشتعل.
ثم يبدأ سقوط ما هو أقرب إلى الإنسان من الكون نفسه؛ علاقاته.
قال تعالى:
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾
وقال سبحانه:
﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾
وقال:
﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾
وقال:
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾
ومن هنا تنطلق هذه القراءة التدبرية لترى أن قوله تعالى:
﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾
قد يكون تصويرًا للحظة انهيار كل ما كان يربط الإنسان بغيره من عِشرة، وصحبة، وأسرة، وألفة، حتى لا يبقى حوله أحد يستطيع أن يحمل عنه شيئًا.
ثم تأتي الآية التالية:
﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾
لتصور - في هذا الطرح الأثر الذي يتركه هذا الانهيار في النفس؛ إذ تتحول حياة الإنسان من الأنس الذي عاشه بين أهله وأحبته إلى وحشة مطلقة، يقف فيها منفردًا بين يدي ربه، لا يسمع إلا نداء الحساب، ولا يرى إلا كتاب عمله، ولا يملك إلا ما قدمه في حياته.
وهذه القراءة لا تدّعي أن هذا هو المعنى الوحيد للآية، وإنما تقدم رؤية تدبرية تقوم على محاولة قراءة السورة في ضوء سياقها الكامل، وربطها بسائر آيات القيامة التي تجعل محور المشهد هو الإنسان المكلف، وعلاقته بعمله، ومصيره، لا مجرد وصف أحداث كونية متفرقة.
ولعل أكثر ما يلفت النظر أن سورة التكوير تختم هذا المشهد كله بقوله تعالى:
﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾
فبعد أن تتغير السماء، وتتبدل الأرض، وتتعطل العِشرة، وتحضر الوحشة، وتُنشر الصحف، لا يبقى في النهاية إلا النفس وما قدمته. وكأن السورة كلها تسير بالقارئ من انهيار العالم الخارجي إلى مواجهة العالم الداخلي؛ حيث لا يعود السؤال: من كان معك في الدنيا؟ ولا: من أحببت؟ ولا: من ناصرك؟ وإنما يصبح السؤال الوحيد:
ماذا أحضرت؟
وهنا تبلغ الوحشة ذروتها؛ لأن الإنسان يدرك أن أحدًا لن يحمل عنه وزره، ولا يشاركه حسابه، ولا يقف مكانه، كما قال تعالى:
﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾
ومن هذا المنطلق، تدعو هذه القراءة كل متدبر إلى إعادة النظر في هاتين الآيتين ضمن السياق القرآني الكامل؛ فقد لا يكون المقصود - في هذا الطرح - مجرد الحديث عن ناقة تُترك، أو دواب تُجمع، وإنما تصوير لحظة ينهار فيها كل ما كان يمنح الإنسان الأنس في الدنيا، فلا يبقى إلا هو، وعمله، وربه.
وعندها يصبح قوله تعالى:
﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾
مشهدًا بالغ التأثير يصور انتقال الإنسان من عالم الألفة والاجتماع إلى عالم الفردية المطلقة، حيث تنقطع كل العلاقات، وتمتلئ النفس بالوحشة، انتظارًا للعدل الإلهي الذي لا يظلم أحدًا، يوم ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾.
