الرجال ليسوا الذكور
النساء ليست الإناث
القوامة ليست كما تظن
تُعد آية القوامة في سورة النساء من أكثر آيات القرآن تداولًا، وكثيرًا ما تُفهم على أنها تتناول العلاقة بين الزوج والزوجة فقط. لكن الوقوف عند ألفاظ الآية نفسها، وربطها بالآيات الأخرى التي وردت فيها ألفاظ الرجال والنساء، يفتح بابًا لقراءة مختلفة تقوم على دقة اختيار الألفاظ في القرآن، وأنه لا يضع كلمة مكان أخرى، ولا يستبدل لفظًا بمرادفه دون حكمة. قال تعالى:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾
فإذا كان المقصود الذكور والإناث، فلماذا لم يقل: الذكور قوامون على الإناث؟ وإذا كان المقصود الأزواج والزوجات، فلماذا لم يقل: الأزواج قوامون على الزوجات؟ ولماذا اختار القرآن لفظي الرجال والنساء تحديدًا؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، لا بد أولًا من التمييز بين نوعين من الأوصاف التي يستعملها القرآن، لأن الخلط بينهما يؤدي إلى فهم مختلف للآية كلها.
التوصيف الجنسي يختلف عن التوصيف الوظيفي
يفرق القرآن بين نوعين من الأوصاف. النوع الأول هو التوصيف الجنسي، ويشمل ألفاظًا مثل الذكر والأنثى، وهي ألفاظ تميز بين الجنسين من الناحية الخَلْقية. أما النوع الثاني فهو التوصيف الوظيفي، ويشمل ألفاظًا مثل الرجال والنساء، وهي ألفاظ ترتبط بالدور الذي يؤديه الإنسان داخل المجتمع، لا بجنسه. فالرجال هم الذين يملكون القدرة على الترجل والسعي لكسب الرزق، وتحمل مسؤولية الإنفاق وإدارة شؤون غيرهم. ولذلك يدخل في هذا الوصف كل من ينهض بهذا الدور، سواء كان رجلًا أو امرأة. أما النساء، فهن الفئة التي لا تملك القدرة على السعي والترجل والكسب، فيحتاج أفرادها إلى من يقوم على شؤونهم، سواء كانوا أطفالًا أو قاصرين أو كبار سن أو من فقدوا القدرة على العمل. وعلى هذا الأساس، فإن المقابلة في الآية ليست بين الذكور والإناث، وإنما بين فئتين تؤدي كل منهما وظيفة مختلفة داخل المجتمع.
لماذا لم يقل القرآن: الذكور قوامون على الإناث؟
لو كان المقصود من الآية بيان تفوق جنس على جنس، لكان من الطبيعي أن يقال: الذكور قوامون على الإناث. ولو كان المقصود الحديث عن العلاقة الزوجية وحدها، لقيل: الأزواج قوامون على الزوجات. لكن الآية لم تستخدم أيًا من هذين التعبيرين، وإنما قالت:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾
واختيار هذين اللفظين هو أول ما ينبغي التوقف عنده قبل الدخول في بقية الآية، لأن القرآن دقيق في ألفاظه، ولا يبدل لفظًا بآخر دون سبب. ولهذا لا ينبغي حمل الآية على معنى لم تنص عليه ألفاظها، بل يبدأ الفهم من الكلمات نفسها، ثم يُرجع إلى جميع المواضع التي استُعملت فيها هذه الكلمات داخل القرآن حتى يتبين معناها في ضوء السياق.
القوامة تكليف عام وليست علاقة زوجية فقط
بناءً على ذلك، فإن القوامة لا تُفهم على أنها امتياز يمنح للزوج على زوجته، وإنما هي مسؤولية تُناط بكل من يملك القدرة على السعي والإنفاق وإدارة شؤون من يحتاج إليه. ولهذا لا تنحصر القوامة في بيت الزوجية، بل تمتد إلى كل علاقة يكون فيها طرف قادر على تحمل المسؤولية، وطرف آخر يحتاج إلى تلك الرعاية. فالموظف والموظفة، والعامل والعاملة، وكل من يسعى لكسب رزقه، يدخلون في وصف الرجال من جهة الوظيفة، لأنهم أصحاب قدرة على السعي والكسب. وفي المقابل، يدخل ضمن وصف النساء كل من لا يملك تلك القدرة، مثل الأطفال، والقاصرين، وكبار السن، والعجزة، ومن يحتاج إلى من يدير شؤونه ويتولى الإنفاق عليه. ومن هنا تصبح القوامة نظامًا اجتماعيًا عامًا، يقوم على تحمل المسؤولية، لا على التمييز بين الذكر والأنثى.
هل لفظ الرجال في القرآن يعني الذكور دائمًا؟
إذا كان لفظ الرجال في آية القوامة يعني الذكور وحدهم، فلا بد أن يبقى هذا المعنى ثابتًا في جميع الآيات التي ورد فيها هذا اللفظ. أما إذا وجدنا أن السياق يفرض معنىً أوسع، فإن ذلك يدل على أن القرآن يستخدم الكلمة بحسب السياق، لا بحسب ما اعتاده الناس من استعمالها. ومن أوضح الآيات التي نبدأ بها قول الله تعالى:
﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾
فهل يُعقل أن يكون الخطاب هنا خاصًا بالذكور دون الإناث؟
المرأة تمارس التجارة، وتبيع وتشتري، وتذكر الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتخاف يوم القيامة كما يخاف الرجل، والله سبحانه لا ينسى أحدًا من عباده. فإذا كانت المرأة تشارك الرجل في جميع الأوصاف التي ذكرتها الآية، فإن دخولها في هذا اللفظ يصبح منسجمًا مع السياق، لأن الحديث هنا عن أهل السعي والعمل والتجارة، لا عن جنس معين.
آية الحج تؤكد أن لفظ الرجال لا يقتصر على الذكور
ويظهر الأمر بصورة أوضح في قوله تعالى:
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾
المرأة تحج كما يحج الرجل، ولم يقل القرآن إن النساء يأتين بطريقة تختلف عن الرجال، بل جاء التعبير:
﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾
وهنا يكون معنى رجالًا أنهم يأتون مشاةً على أقدامهم، سواء كانوا ذكورًا أو إناثًا، لأن المقصود وصف هيئة المجيء، لا تحديد جنس الحاج. وهذا يؤكد أن السياق هو الذي يحدد المعنى، وأن اللفظ لا يُحمل دائمًا على المعنى الجنسي.
السياق هو الذي يحدد المعنى
القرآن يربط الألفاظ بسياقها، ولذلك لا يجوز اقتطاع كلمة من موضعها وبناء معنى ثابت عليها في جميع المواضع. ولهذا نجد في الآيات نفسها ألفاظًا أخرى جاءت بصيغة التذكير، ومع ذلك لا يخرج منها النساء. قال تعالى:
﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾
فهل الطائفون هم الذكور وحدهم؟
وهل القائمون هم الرجال دون النساء؟
وهل الراكعون والساجدون لا يدخل فيهم النساء؟
الجواب واضح، فالمرأة تطوف، وتقف، وتركع، وتسجد كما يفعل الرجل، ولم يحتج القرآن إلى أن يذكر لكل لفظ صيغةً خاصة بالإناث، لأن السياق يشمل الجميع.
آية الأحزاب تقدم المثال نفسه
ومن الآيات التي تؤكد ذلك أيضًا قوله تعالى:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾
فهل يختص هذا الثناء بالرجال الذكور فقط؟
إن الصدق مع الله، والثبات على العهد، وبذل النفس في سبيله، ليست صفات يختص بها جنس دون آخر، بل هي صفات يتحقق بها المؤمن والمؤمنة. ولهذا فإن لفظ الرجال هنا جاء مرتبطًا بوصف من وفّى بعهده مع الله، لا بجنس من قام بذلك. ومن ثم فإن حمل اللفظ على الذكور وحدهم لا ينسجم مع السياق الذي يتحدث عن الوفاء بالعهد والصدق والثبات، وهي معانٍ لا تختص بالرجال دون النساء.
إذا كان الرجال وصفًا وظيفيًا في هذه الآيات، فالمعنى نفسه يُقرأ في آية القوامة
بعد جمع هذه الآيات، يظهر أن لفظ الرجال لا يلتزم معنىً واحدًا في جميع المواضع، وإنما يحدده السياق الذي ورد فيه. وعندما نعود إلى قوله تعالى:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾
فإن اللفظ يُقرأ بالمنهج نفسه؛ أي باعتباره وصفًا لمن يملك القدرة على السعي والإنفاق وإدارة الشؤون، لا باعتباره وصفًا لكل ذكر بمجرد كونه ذكرًا. وبذلك يصبح الحديث عن مسؤولية اجتماعية يقوم بها كل قادر على الكسب والرعاية، تجاه من لا يملك تلك القدرة، دون أن تكون الآية محصورة في علاقة الزوج بزوجته فقط.
هل النساء تعني الإناث دائمًا؟
إذا كان لفظ الرجال لا يقتصر على الذكور في جميع المواضع، فهل يبقى لفظ النساء مقصورًا على الإناث دائمًا؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من تتبع الآيات التي ورد فيها هذا اللفظ، تمامًا كما تتبعنا لفظ الرجال. من الآيات التي تستوقف النظر قول الله تعالى:
﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا...﴾
ثم عددت الآية المحارم فقالت:
﴿... لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ...﴾
يبدأ تعداد الآية بذكر الذكور: الأزواج، والآباء، والأبناء، والإخوة، وأبناء الإخوة، وأبناء الأخوات، ثم يأتي بعد ذلك قوله تعالى:
﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾
وهنا يطرح السؤال: إذا كان جميع المذكور قبلها من الذكور، فهل يبقى لفظ نسائهن مقصورًا على الإناث فقط؟ أم أن اللفظ هنا جاء بدلالة أخرى يحددها السياق؟
لفظ النساء يأتي بحسب السياق
عند تتبع استعمالات هذا اللفظ يظهر أن القرآن لا يحصره دائمًا في معنى الإناث، وإنما يختلف معناه باختلاف السياق الذي ورد فيه. فالقرآن لا يلتزم تطابق الألفاظ في جميع المواضع، وإنما يجعل السياق هو الحاكم على المعنى. ولهذا لا يصح أن يُحمَل لفظ النساء في كل آية على معنى واحد دون النظر إلى الآية التي ورد فيها، وإلى الألفاظ المحيطة به، وإلى الغرض الذي تتحدث عنه الآية نفسها.
النساء من النسيء
يرجع معنى النساء إلى النسيء، أي المتأخر من الشيء. ومن هذا المعنى يُفهم أن اللفظ لا يقتصر على الإناث، وإنما يدل على ما يأتي لاحقًا أو يتبع غيره. ويضرب لذلك مثالًا بما هو معروف في حياتنا اليومية؛ فحين يصدر إصدار جديد لسيارة أو هاتف، يكون هو المتأخر عن الإصدار السابق. فالنسخة الأحدث تأتي بعد التي قبلها، ولهذا يربط معنى النساء بما هو متأخر أو تابع، لا بمجرد الجنس.
آية الزينة ومعنى النساء
ومن الآيات التي يتوقف عندها هذا الفهم قوله تعالى:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
تبدأ الآية بلفظ:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾
والناس في القرآن يشملون الذكور والإناث جميعًا.
فإذا كان الخطاب موجهًا إلى الناس جميعًا، فكيف يكون معنى النساء هنا الإناث فقط، مع أن من بين الناس إناثًا أيضًا؟
ثم إن الآية تختم جميع هذه الأشياء بقول الله تعالى:
﴿ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
فتجمعها جميعًا تحت وصف المتاع. ومن هنا يُفهم لفظ النساء في هذا الموضع على أنه يشير إلى أحدث المتاع وما يتنافس الناس في اقتنائه، لا إلى النساء بمعنى الإناث وحدهن، لأن السياق كله يتحدث عن أشياء يتنافس الناس في امتلاكها من متاع الدنيا.
إذا تغير معنى الرجال والنساء بحسب السياق، فلا يجوز تثبيت معنى واحد لهما
بعد استعراض هذه المواضع، يتبين أن القرآن لا يستعمل لفظي الرجال والنساء بمعنى واحد ثابت في كل الآيات. فقد يأتي لفظ الرجال شاملاً للذكور والإناث بحسب السياق، وقد يأتي لفظ النساء بدلالات تختلف باختلاف الموضع الذي ورد فيه. ولهذا يصبح الرجوع إلى السياق هو الطريق لفهم كل آية، لا الاكتفاء بما اعتاده الناس من معاني الألفاظ خارج القرآن. وعند العودة إلى آية القوامة، يُقرأ لفظ الرجال بوصفه وصفًا لمن يملك القدرة على السعي والإنفاق، ويُقرأ لفظ النساء بوصفه وصفًا لمن يحتاج إلى من يتولى شؤونه، فتظهر الآية باعتبارها حديثًا عن نظام اجتماعي يقوم على تحمل المسؤولية، لا على مجرد التفريق بين الذكر والأنثى.
قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾
بعد الوقوف على استعمال لفظي الرجال والنساء في مواضع متعددة من القرآن، نعود إلى آية القوامة. قال الله تعالى:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾
ولم يقل: الذكور قوامون على الإناث. ولم يقل: الأزواج قوامون على الزوجات. وهذا الاختيار للألفاظ هو أول ما يلفت النظر، لأن القرآن لا يبدل لفظًا بآخر من غير حكمة. وعلى هذا الأساس يكون الرجال هم القادرون على السعي، سواء كانوا ذكورًا أو إناثًا، أما النساء فهم الذين لا يملكون القدرة على السعي والكسب، سواء كانوا ذكورًا أو إناثًا. فالموظف، والعامل، والموظفة، والعاملة، كلهم يدخلون في وصف الرجال لأنهم يسعون إلى كسب الرزق، بينما الأطفال، والقاصرون، وكبار السن، والعجزة، وكل من يحتاج إلى من ينفق عليه أو يدير شؤونه، يدخلون في وصف النساء.
القوامة مسؤولية اجتماعية
بهذا المعنى تصبح القوامة مسؤولية عامة داخل المجتمع، وليست علاقة محصورة بين زوج وزوجة. فالقوامة ليست تشريفًا يمنح لإنسان بسبب جنسه، وإنما تكليف لمن يملك القدرة على تحمل المسؤولية. ولهذا فإن من يسعى ويكتسب وينفق، يكون مكلفًا بالقوامة على من يعجز عن ذلك. ولا يختلف هذا الحكم إذا كان القائم على شؤون غيره رجلًا أو امرأة، لأن المعيار هنا هو القدرة على السعي وتحمل المسؤولية، لا مجرد الذكورة أو الأنوثة.
مثال الأسرة التي يعمل فيها الزوج والزوجة
ولتقريب الصورة، يمكن النظر إلى أسرة يعمل فيها الزوج وتعمل فيها الزوجة أيضًا. كل واحد منهما يخرج إلى عمله، ويكسب رزقه، وينفق على أسرته. وبذلك يكون كلاهما داخلًا في وصف الرجال، لأن كليهما يقوم بالسعي والكسب. أما الأبناء الصغار الذين لا يملكون القدرة على العمل ولا على الإنفاق، فهم النساء في هذا الوصف، لأنهم هم الذين تُصرف عليهم الأموال، وتُدار شؤونهم، ويحتاجون إلى من يقوم برعايتهم. وبهذا المثال لا تعود الآية محصورة في علاقة أحد الزوجين بالآخر، وإنما تتحدث عن المسؤولية تجاه من يحتاج إلى الرعاية داخل الأسرة والمجتمع.
القوامة قد تنتقل إلى المرأة
وقد يحدث أن تغيب الجهة التي كانت تتولى القوامة، كما لو توفي الزوج، وأصبحت الزوجة هي التي تعمل، وتنفق، وتدير شؤون الأسرة. في هذه الحالة تنتقل إليها القوامة، لأنها أصبحت صاحبة المسؤولية عن الأسرة، وأصبحت هي التي تقوم بالسعي والإنفاق. ويصبح أولادها هم النساء الذين يحتاجون إلى من يرعى شؤونهم، لأنها هي التي تحملت مسؤولية القيام عليهم، ولم تعد تلك المسؤولية قائمة على وجود رجل أو امرأة، وإنما على وجود من يتحمل واجب القوامة.
معنى قوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ﴾
بعد الحديث عن القوامة، تأتي الآية ببيان صفات من يقوم بهذا الدور. فالصالحات للقوامة هن القانتات؛ أي الملتزمات بما كُلِّفن به من مسؤولية. ثم قال تعالى:
﴿حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾
أي يحفظن أسرار القوامة، وما يتعلق بإدارة شؤون من هم تحت رعايتهن، فلا يجعلنه موضع تباهٍ أو حديث بين الناس، لأن القوامة مسؤولية، وليست وسيلة للتفاخر أو فرض النفوذ على الآخرين.
معنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾
بعد الحديث عن القوامة، تنتقل الآية إلى معالجة حالة قد تطرأ على من أُسندت إليه هذه المسؤولية. قال تعالى:
﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾
ويُفهم النشوز هنا على أنه خروج القائم بالقوامة عن أداء مسؤوليته على الوجه المطلوب، ويكون ذلك بإحدى صورتين:
- أن يتسلط على من تحت قوامته، فيستعمل ما أُعطي من مسؤولية استعمالًا خاطئًا.
- أو أن يتقاعس عن أداء واجب القوامة، فيترك من كُلِّف برعايتهم دون قيام بما أُوكل إليه.
وفي الحالتين يكون قد نشز عن المهمة التي كُلِّف بها، لأن القوامة ليست امتيازًا يمنح لصاحبها، وإنما مسؤولية يُسأل عنها.
المرحلة الأولى: الموعظة
جعلت الآية أول وسائل الإصلاح هي الموعظة.
﴿فَعِظُوهُنَّ﴾
فتبدأ المعالجة بالحوار، والتذكير بالمسؤولية، وبيان ما ترتب على التقصير أو التسلط من آثار، لأن المقصود هو إعادة القائم بالقوامة إلى أداء واجبه، لا معاقبته ابتداءً. ولهذا جاءت الموعظة أولًا قبل أي إجراء آخر، لأنها الطريق الأقرب إلى الإصلاح إذا استجاب لها من وُجهت إليه.
معنى المضاجع
ثم قال تعالى:
﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾
وكلمة المضاجع لا تُحمل هنا على فراش الزوجية وحده، وإنما على كل مكان يُضطجع فيه داخل المنزل. فقد يكون غرفة معيشة، أو مجلسًا، أو ديوانية، أو مكانًا يجلس فيه أفراد الأسرة للراحة. وعليه يكون الهجر في المضجع هو الامتناع عن مشاركة صاحب القوامة في مجالسه ومواطن اجتماعه، إظهارًا للاعتراض على طريقة ممارسته للقوامة. ويتضح ذلك أكثر إذا كانت صاحبة القوامة ليست زوجة أصلًا، كأن تكون الأخت الكبرى، أو الأم، أو العمة، أو الخالة، أو امرأة تتولى رعاية شخص لا يستطيع إدارة شؤونه بنفسه؛ فحينئذٍ لا يمكن حمل المضجع على معنى فراش الزوجية، لأن السياق أوسع من ذلك.
معنى قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾
فإن لم تحقق المرحلتان السابقتان الإصلاح، جاءت المرحلة الثالثة:
﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾
ويُفهم الضرب هنا على أنه التوجه إلى وسيلة حاسمة تضع حدًا للتقصير أو إساءة استعمال القوامة، وليس بالضرورة الضرب الجسدي. فقد يكون الضرب بالمفارقة والابتعاد، وقد يكون باللجوء إلى جهة تملك سلطة الفصل في النزاع، كرفع الأمر إلى القضاء أو الجهة المختصة، حتى تُلزم صاحب القوامة بأداء مسؤوليته، لأن القوامة تكليف يُحاسب عليه صاحبها، وليست حقًا مطلقًا يفعل به ما يشاء.
التحكيم هو المرحلة التالية
ثم تنتقل الآية إلى مرحلة أخرى إذا استمر الخلاف. قال تعالى:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾
وهذه المرحلة تؤكد أن المقصود هو معالجة النزاع وإصلاحه، بعد المرور بالموعظة، ثم الهجر، ثم الضرب بالمعنى السابق، حتى تُستنفد وسائل الإصلاح جميعها قبل الوصول إلى التحكيم. ولا يقتصر هذا على العلاقة الزوجية وحدها، بل يمتد إلى كل صورة تتحقق فيها القوامة ويقع فيها نزاع بين من يتولى المسؤولية ومن هم تحت رعايته، لأن الآية – وفق هذا الفهم – تتناول القوامة باعتبارها نظامًا اجتماعيًا عامًا، لا علاقة زوجية فحسب.
معنى قوله تعالى: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾
عند قراءة الآية كاملة يتبين أن الله سبحانه لم يقل: بما فضل الله الذكور على الإناث، وإنما قال:
﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
فالآية تتحدث عن تفضيل بعض الناس على بعض في القدرات والمهام، ثم تبين مباشرة وجه هذا التفضيل بقولها:
﴿وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾
فربط القوامة بالإنفاق، ولم يربطها بالجنس. فالذي يملك القدرة على السعي والكسب والإنفاق هو الذي يتحمل مسؤولية القوامة، لأن الإنفاق هو الذي يفرض عليه القيام على شؤون من يحتاجون إليه، ولهذا جاءت عبارة ﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾ بعد ﴿بما فضل الله بعضهم على بعض﴾ مباشرة، لتبين أن الحديث يدور حول تحمل المسؤولية، لا حول تفضيل جنس على جنس.
الإنفاق هو مناط القوامة
ولهذا لا تقوم القوامة بمجرد الانتساب إلى جنس معين، وإنما بقيام صاحبها بمسؤولية الإنفاق والسعي. فكل من يخرج إلى عمله، ويكتسب رزقه، ويتحمل نفقات غيره، فقد أصبح قائمًا على من يعولهم، لأن القوامة جاءت مرتبطة بالفعل العملي الذي يقوم به الإنسان، لا بوصفه الخَلقي. ومن هنا كان قوله تعالى:
﴿وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾
بيانًا لسبب تحمل هذه المسؤولية، فالإنفاق ليس أثرًا من آثار القوامة، بل هو أحد الأسس التي قامت عليها.
مثال الأسرة التي يعمل فيها الأب والأم
ولننظر إلى أسرة يعمل فيها الأب، وتعمل فيها الأم أيضًا. كلاهما يخرج إلى عمله، وكلاهما يتقاضى راتبًا، وكلاهما يشارك في الإنفاق على الأسرة. وعلى هذا الأساس يكون كلاهما داخلًا في وصف الرجال، لأن كليهما يقوم بالسعي والكسب وتحمل المسؤولية. أما الأبناء، سواء كانوا بنين أو بنات، فهم الذين تقع عليهم القوامة، لأنهم لا يزالون يعتمدون على غيرهم في النفقة والرعاية وإدارة شؤونهم، فيدخلون في وصف النساء بهذا الاعتبار، لا باعتبار الجنس.
انتقال القوامة بعد وفاة الزوج
وقد تتغير الأحوال داخل الأسرة، فيتوفى الزوج، وتبقى الزوجة وحدها مسؤولة عن أبنائها. فتخرج إلى العمل، وتنفق عليهم، وتدير شؤونهم، وتحفظ مصالحهم. وفي هذه الحال تكون هي القائمة بالقوامة، لأنها أصبحت صاحبة مسؤولية الإنفاق والرعاية، بينما يبقى أولادها هم الذين يحتاجون إلى هذه الرعاية. ومن هنا لا ترتبط القوامة بشخص معين، وإنما تنتقل إلى من يتحمل واجبها ويقوم بأعبائها.
تطبيقات أخرى للقوامة
ولا يقتصر هذا المعنى على الزوج أو الزوجة، فقد تكون القوامة في يد الأم، أو الأخت الكبرى، أو الخالة، أو العمة، أو أي شخص أُسندت إليه مسؤولية رعاية غيره. وقد تكون جهة رسمية مسؤولة عن من فقدوا من يقوم على شؤونهم، فتتولى إدارة أمورهم والإنفاق عليهم وحفظ حقوقهم. ولهذا فإن جميع الأحكام التي ذكرتها الآية في معالجة النشوز والخلاف تُفهم في إطار هذه المسؤولية، لأنها تتعلق بمن يتولى القوامة، لا بصورة واحدة من صور العلاقات الاجتماعية.
معنى الضرب في سياق معالجة القوامة
وعندما تصل الآية إلى قوله تعالى:
﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾
فإنه لا ينبغي عزل هذه الكلمة عن السياق الذي بدأت به الآية. فقد سبقتها الموعظة، ثم الهجر، ثم أعقبها مباشرة التحكيم، مما يدل على أن المقصود هو الانتقال التدريجي في وسائل معالجة التقصير في أداء مسؤولية القوامة. ولهذا قد يكون اللجوء إلى القضاء، أو إلى الجهة المختصة، أو إلى من يملك سلطة إلزام القائم بالقوامة بأداء واجبه، من صور الانتقال إلى مرحلة الحسم قبل الوصول إلى التحكيم الذي ختمت به الآيات.
وختاماً، وبعد جمع الآيات التي ورد فيها لفظ الرجال، والآيات التي ورد فيها لفظ النساء، وربطها بآية القوامة، يظهر أن القرآن يفرق بين التوصيف الجنسي والتوصيف الوظيفي. فالذكور والإناث توصيف جنسي. أما الرجال والنساء فتوصيف وظيفي يتحدد بالسياق. ولهذا لا يُفهم قوله تعالى:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾
على أنه تفضيل جنس على جنس، ولا على أنه خطاب خاص بالأزواج والزوجات، وإنما على أنه بيان لمسؤولية القادرين على السعي والإنفاق تجاه من لا يملكون تلك القدرة.
وبهذا تكون القوامة تكليفًا اجتماعيًا يقوم على تحمل المسؤولية، لا تشريفًا يقوم على التفاضل الجنسي، ويظل فهم ألفاظ الآية مرتبطًا بالسياق الذي وردت فيه، لأن القرآن لا يجعل الألفاظ متطابقة في جميع مواضعها، بل يختار لكل موضع لفظه الذي يؤدي المعنى المقصود بدقة.
