تُعد آية سورة الذاريات من أكثر الآيات التي يكثر السؤال حولها، وهي قوله تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾
ويتكرر السؤال حول معنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. فما المقصود بالعبادة هنا؟ وهل يقتصر معناها على الشعائر المعروفة، أم أن القرآن يقود إلى معنى أوسع من ذلك؟
وللإجابة عن هذا السؤال، تبدأ هذه القراءة أولًا بتحديد المقصود بالجن والإنس في الآية، ثم تنتقل إلى تتبع معنى لفظ «عبد» من خلال القرآن، ولا سيما في سورة الكافرون، قبل أن تربط ذلك كله بالصراط المستقيم الذي يبين الكيفية التي تتحقق بها العبادة.
الجن والإنس أصل الخلق أم صفات للمخلوقات العاقلة؟
تنطلق هذه القراءة من التفريق بين أصل الخلق وبين الصفات التي قد يتصف بها المخلوق. فالمخلوقات العاقلة في هذه الدنيا ترجع في أصل خلقها إلى أصلين لا ثالث لهما:
- الجان، الذي خلق من نار السموم.
- الإنسان، الذي خلق من طين.
وهذا يتعلق بأصل الخلق، ولا يتعلق بالصفات التي قد تطرأ بعد ذلك. أما لفظا الجن والإنس، فتُقرأ هنا بوصفهما صفتين يمكن أن توصف بهما المخلوقات العاقلة، سواء كانت من أصل الجان أو من أصل الإنسان. وبذلك يصبح الحديث عن الجن والإنس في هذا الموضع حديثًا عن صفات، لا عن أصول الخلق.
من هم الجن؟ ومن هم الإنس؟
يُقصد بالجن الفئة الخاصة من الناس التي تؤثر في غيرها وهي مستترة عن الأنظار، تعمل من خلف ستار، ولا يراها عامة الناس، ومع ذلك يكون لها أثر مباشر في توجيههم أو التأثير عليهم. أما الإنس فهم عامة الناس الظاهرون، الذين يراهم الناس ويخالطونهم ويأنسون بهم. ومن ثم فإن الإنسان قد يكون في حالٍ متصفًا بصفة الإنس، فإذا استتر وأصبح يعمل من وراء الحجاب مؤثرًا في غيره اكتسب صفة الجن، مع بقاء أصله إنسانًا. فالحديث هنا ليس عن انتقال الإنسان إلى أصل خلق آخر، وإنما عن انتقاله بين صفتين بحسب طبيعة ظهوره أو استتاره.
أمثلة على صفة الجن عند الإنسان
ولتوضيح هذا المعنى، تضرب القراءة عددًا من الأمثلة. فقد يوجد جن سياسي، وهم المجموعات التي ترسم السياسات العامة وتؤثر في صناعة القرار، لكنها تبقى بعيدة عن الواجهة، فلا يراها عامة الناس. وقد يوجد جن اقتصادي، ويتمثل في كبار أصحاب النفوذ الاقتصادي الذين يستطيعون التأثير في اقتصاد الدول، مع أنهم يعملون من خلف الستار. وكذلك قد يوجد جن إعلامي، وهم الجهات أو المجموعات التي تدير المشهد الإعلامي وتوجهه دون أن تكون هي الواجهة التي يشاهدها الناس.
أما الوزراء، أو المسؤولون، أو الشخصيات التي تظهر أمام الجمهور، فهم من الإنس؛ لأن الناس يرونهم ويأنسون بهم، بينما قد تكون الجهات التي ترسم السياسات وتقف خلفهم داخلة في وصف الجن لأنها تعمل في الخفاء. ولهذا تؤكد هذه القراءة أن الجن ليسوا ـ في هذا الموضع ـ مخلوقات شبحية بالضرورة، بل قد يكون الجن إنسانًا، لكنه يعمل مستترًا عن الناس، ويؤثر فيهم من وراء الحجاب.
فيكتسب بذلك صفة الجن. وبالمقابل، فإن عامة الناس الذين يظهرون للناس ويخالطونهم هم الإنس. وبذلك يكون المقصود بالجن والإنس هنا وصفين يتعلقان بالظهور والاستتار، لا بيانًا لأصل الخلق، لأن أصل الخلق قد سبق تحديده بأنه إما جان وإما إنسان، أما الجن والإنس فهما صفتان للمخلوقات العاقلة.
معنى عبد ولماذا كانت سورة الكافرون محور هذه التدبر؟
بعد بيان المقصود بالجن والإنس، تنتقل هذه القراءة إلى السؤال الرئيس الذي بدأت به، وهو: ما معنى قوله تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾؟
وللإجابة عن هذا السؤال، تتجه إلى سورة الكافرون، لأنها من أكثر السور التي توضح دلالة لفظ «عبد» في القرآن. غير أن هذه القراءة تسبق ذلك بملحوظة تراها أساسية لفهم اللفظ، وهي أن «عبد» من أفعال الأضداد.
«عبد» من أفعال الأضداد
يقوم هذا الطرح على أن لفظ «عبد» يجمع بين معنيين متقابلين في الوقت نفسه. فهو يدل على الطاعة، ويدل كذلك على المعصية. ويُبنى هذا الفهم على أن الإنسان إذا أطاع جهةً ما، فقد عصى في الوقت نفسه ما يقابلها، وإذا عصى جهةً ما، فقد أطاع في المقابل غيرها.
- فمن أطاع الله فقد عصى الشيطان.
- ومن أطاع الشيطان فقد عصى الله.
ولهذا ترى هذه القراءة أن فعل «عبد» لا يُفهم باعتباره دالًا على الطاعة وحدها، وإنما هو من الألفاظ التي يظهر معناها بالنظر إلى طرفي الاختيار اللذين يقف الإنسان بينهما.
لماذا خُلق الإنسان مخيرًا؟
وانطلاقًا من هذا الفهم، ترى القراءة أن الله خلق الإنسان مختارًا. فهو قادر على أن يطيع، وقادر كذلك على أن يعصي. ولا يُنظر إلى وجود إمكانية المعصية هنا على أنها خروج عن الغاية من الخلق، بل بوصفها جزءًا من طبيعة الابتلاء والاختيار. ولهذا يربط الطرح بين الاختيار وبين التوبة، فيقرر أن الإنسان قد يعصي، ثم يفتح الله له باب الرجوع، فيتوب ويستغفر، لأن الله يحب التوابين ويحب المستغفرين. ومن ثم فإن وجود مساحة للاختيار، وما يترتب عليها من إمكان الطاعة أو المعصية، هو الذي يجعل للتوبة معناها، وللاستغفار موضعه في حياة الإنسان.
سورة الكافرون ولماذا لا يُعد تكرار ألفاظها تكرارًا في المعنى؟
بعد هذه المقدمة تنتقل القراءة إلى سورة الكافرون.
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾
وتنطلق هذه القراءة من أن القرآن لا يأتي فيه التكرار على وجه العبث، ولذلك فإن تكرار لفظ «عبد» في السورة لا يعني تكرار المعنى نفسه. بل يُقرأ اللفظ على مرحلتين مختلفتين. فالآيتان الثانية والثالثة تحملان معنى الطاعة. أما الآيتان الرابعة والخامسة فتحملان معنى المعصية. وبناءً على ذلك، تقرأ السورة على النحو الآتي:
- ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: لا أطيع ما تطيعون.
- ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: ولا أنتم مطيعون ما أطيع.
- ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾ أي: ولا أنا عاصٍ ما عصيتم.
- ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: ولا أنتم عاصون ما أعصي.
ومن هذا المنطلق ترى القراءة أن اختلاف المعنى بين الموضعين هو الذي يرفع توهم التكرار، ويجعل لكل آية دلالتها الخاصة داخل بناء السورة، مع بقاء النظم القرآني هو الذي يحكم ترتيب هذه المعاني وتوزيعها.
العودة إلى آية الذاريات في ضوء سورة الكافرون
بعد الوصول إلى هذا الفهم لسورة الكافرون، تعود هذه القراءة مرة أخرى إلى الآية التي انطلقت منها في بداية البحث، وهي قوله تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
وبحسب المعنى الذي بُني من خلال سورة الكافرون، لا يُقرأ لفظ «ليعبدون» على أنه يدل على الطاعة وحدها، وإنما يُفهم في إطار كون «عبد» من أفعال الأضداد. وعلى هذا الأساس، يكون المقصود أن الله خلق الجن والإنس ليطيعوه باختيارهم، مع بقائهم قادرين على المعصية باختيارهم أيضًا. فالإنسان ليس مخلوقًا مسلوب الإرادة، وإنما هو مخلوق مخير، يستطيع أن يختار طريق الطاعة، كما يستطيع أن يختار طريق المعصية. ومن هنا يرتبط معنى العبادة بالاختيار، لأن الطاعة لا يكون لها معناها إلا إذا كان الإنسان قادرًا على تركها، كما أن التوبة لا يكون لها معناها إلا إذا وُجدت إمكانية الوقوع في المعصية ثم الرجوع منها. ولهذا تُفهم الآية في هذه القراءة على أن الله خلق الجن والإنس ليطيعوه بإرادتهم، مع بقائهم قادرين على معصيته بإرادتهم، حتى يفتح لهم باب التوبة والاستغفار، لأنه سبحانه يحب التوابين ويحب المستغفرين.
كيف نعبد الله؟
بعد الوصول إلى هذا المعنى، تنتقل القراءة إلى سؤال آخر يتكرر كثيرًا:
إذا كان معنى العبادة قد اتضح، فكيف يعبد الإنسان ربه؟
ويرى هذا الطرح أن الجواب لا يُترك للاجتهادات العامة، وإنما يقدمه القرآن من خلال الصراط المستقيم. فالعبادة تتحقق باتباع الصراط المستقيم. غير أن الصراط المستقيم لا يُقدم هنا باعتباره عنوانًا مجردًا، وإنما باعتباره منظومة من القيم رسمها القرآن وبيّن معالمها. وتربط هذه القراءة بين ثلاثة أوصاف متتابعة لهذه المنظومة.
- فهي الوصايا العشر عند موسى عليه السلام.
- ثم أصبحت الحكمة عند المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام.
- ثم جاءت في القرآن باسم الصراط المستقيم.
ومن ثم فإن هذه الألفاظ الثلاثة تشير إلى منظومة واحدة تقوم على القيم التي يسير عليها الإنسان في عبادته لله.
الصراط المستقيم
عند الانتقال إلى الحديث عن الصراط المستقيم، تؤكد هذه القراءة أن المقصود ليس مجرد طريق معنوي عام، بل هو الطريق الذي تُبنى عليه عبادة الله. فهو منظومة القيم التي يسير عليها الإنسان في حياته، وهو الطريق الذي تعهد إبليس أن يجلس عليه ليصد الناس عنه ويضلهم. ولهذا يصبح فهم الصراط المستقيم جزءًا من فهم معنى العبادة نفسها؛ لأن العبادة لا تتحقق إلا بالسير على هذا الطريق. ومن هنا تبدأ القراءة باستعراض الآيات التي تعرض هذه المنظومة، فتبدأ أولًا بوصايا سورة الأنعام، ثم تنتقل بعد ذلك إلى سورة الإسراء، التي تقدم تفصيلًا أوسع لهذه الوصايا.
وصايا سورة الأنعام الصورة الجامعة للصراط المستقيم
عند الانتقال إلى سورة الأنعام، تلفت هذه القراءة النظر إلى مجموعة من الآيات التي تراها تمثل الصراط المستقيم في صورته الجامعة، وتدعو إلى الوقوف عندها وتأملها. وتبدأ هذه الوصايا بقوله تعالى:
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾
ثم تتوالى الوصايا واحدة بعد أخرى، لتكوّن منظومة متكاملة من القيم التي يتحقق بها السير على الصراط المستقيم.
أول الوصايا... توحيد الله والإحسان إلى الوالدين
تبدأ الوصايا بقوله تعالى:
﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾
فتجعل أول الطريق توحيد الله وعدم الإشراك به. ثم يأتي مباشرة بعد ذلك قوله تعالى:
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾
فتنتقل الوصايا من بيان حق الله إلى بيان حق الوالدين، لتضعهما في مقدمة منظومة القيم التي يقوم عليها الصراط المستقيم.
حماية الحياة وصيانة المجتمع
ثم يقول تعالى:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾
ثم يتبعها بقوله:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾
وعند هذه الآية تقف القراءة لتبين المقصود بما ظهر وما بطن. فيُقصد بـ ما ظهر الفواحش الظاهرة التي تكون معلنة أو يصرح بها القانون. أما ما بطن فهي الأمور التي تتم في الخفاء والسر، ويُذكر من أمثلتها في هذه القراءة نكاح المحارم والمثلية، باعتبارها من الفواحش التي تدخل في الجانب المستور. ثم تتابع الآيات:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾
لتضيف حفظ النفس إلى منظومة القيم التي يقوم عليها الصراط المستقيم.
لماذا ختمت الآية بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾؟
بعد هذه المجموعة الأولى من الوصايا، تختم الآية بقوله تعالى:
﴿ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾
وتلفت هذه القراءة النظر إلى هذه الخاتمة، باعتبارها جزءًا من البناء الذي تعرضه السورة، ثم تنتقل بعدها إلى المجموعة التالية من الوصايا دون أن تعتبر هذا الانتقال نهاية للصراط المستقيم، بل استمرارًا له.
المجموعة الثانية من الوصايا
ثم يقول تعالى:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾
ويليها قوله سبحانه:
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾
وتعلق هذه القراءة على هذه الآية بعبارة مختصرة تؤكد معناها، وهي: لا تغش أحدًا. ثم تأتي الآية:
﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
ثم قوله تعالى:
﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾
وتربط هذه القراءة هذه الآية بشهادة الزور، فتجعلها من صور العدل الذي يأمر به الصراط المستقيم. ثم يأتي قوله تعالى:
﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾
وتعلق القراءة هنا بأن المقصود هو الوفاء بالعهد واجتناب الخيانة. وتختم هذه المجموعة بقوله تعالى:
﴿ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
فتلفت النظر مرة أخرى إلى اختلاف خاتمة هذه المجموعة عن المجموعة السابقة.
إعلان الصراط المستقيم
بعد عرض هذه الوصايا تأتي الآية الجامعة:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾
ثم تختم بقوله تعالى:
﴿ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
وعند هذه الآية تصل هذه القراءة إلى النتيجة التي بنتها من خلال وصايا سورة الأنعام، وهي أن هذه المنظومة من الوصايا هي المقصودة بالصراط المستقيم، وأن عبادة الله تتحقق باتباع هذا الطريق، والالتزام بهذه القيم التي جمعتها الآيات في نسق واحد ثم ختمته بإعلان واضح: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾.
سورة الإسراء الحكمة التي فصّلت معالم الصراط المستقيم
بعد عرض الصراط المستقيم في سورة الأنعام بصيغة الوصايا الجامعة، تنتقل هذه القراءة إلى سورة الإسراء، وترى أنها تعرض المنظومة نفسها مرة أخرى، ولكن بصورة أكثر تفصيلًا، ولذلك تُسمى في هذا الطرح الحكمة. ولهذا يبدأ الانتقال إلى سورة الإسراء بالبحث عن الموضع الذي ورد فيه هذا الوصف، لأن المقصود ليس الانتقال إلى موضوع جديد، وإنما استكمال الحديث عن الصراط المستقيم نفسه بعد أن جاء في صورة أكثر تفصيلًا.
لماذا جاءت وصايا الإسراء أكثر تفصيلًا؟
تلفت هذه القراءة النظر إلى أن وصايا سورة الأنعام جاءت مختصرة، بينما جاءت الآيات المقابلة لها في سورة الإسراء أكثر تفصيلًا. ويُفسَّر ذلك بأن السقف المعرفي للإنسان قد تطور، فأصبح يستوعب قدرًا أكبر من البيان، ولذلك جاءت الحكمة هنا مفصلة بعد أن كانت الوصايا هناك موجزة.
البداية نفسها التوحيد ثم الإحسان إلى الوالدين
تبدأ الآيات بقوله تعالى:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾
وتلاحظ هذه القراءة أن البداية هي نفسها التي وردت في سورة الأنعام.
- فالتوحيد أولًا.
- ثم الإحسان إلى الوالدين.
غير أن سورة الإسراء لا تكتفي بالأمر المجمل، بل تبدأ في تفصيل هذا الإحسان، فتقول:
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾
ومن هنا ترى هذه القراءة أن الحكمة في سورة الإسراء لم تأت بفكرة جديدة، وإنما قامت بتفصيل ما كان قد ورد في سورة الأنعام بصيغة الوصايا المختصرة.
حقوق المجتمع والنهي عن التبذير
بعد ذلك تنتقل الآيات إلى قوله تعالى:
﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾
ثم يأتي النهي:
﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾
وعند هذه الآية تتوقف هذه القراءة لتقدم تفسيرها لمعنى المبذر. فالمبذر ليس مجرد من ينفق كثيرًا، وإنما هو الذي يدفع المال في غير وجه الله، ومن أمثلة ذلك من يدفع الأموال ليشتري الذمم أو الضمائر، كمن ينفق المال في الحملات الانتخابية بقصد التأثير في الناس وشراء ولاءاتهم، فيظهر إنفاقه وكأنه صدقة أو عمل خير، بينما تكون غايته الحقيقية تحقيق مصلحة شخصية أو شراء المواقف. كما يدخل في ذلك كل إنفاق يُخرج المال في غير طاعة الله.
الاعتدال في الإنفاق
ثم يقول تعالى:
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾
وتعلق هذه القراءة على الآية بكلمة واحدة تلخص معناها، وهي الوسطية. فلا بخل يمنع الإنسان من أداء الحقوق، ولا إسراف يخرجه عن الاعتدال، وإنما يكون الإنفاق وسطًا بين الطرفين.
أين يجلس الشيطان؟
ثم تنتقل الآيات إلى قوله تعالى:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾
وعند هذه الآية تعلق هذه القراءة بأن هذا من المواضع التي يجلس فيها الشيطان ليوقع الإنسان في الضلال، فيدفعه إلى الخوف على الرزق حتى يقع في مخالفة أمر الله، مع أن الآية نفسها تؤكد أن الرزق بيد الله سبحانه.
النهي عن الزنا
ثم يقول تعالى:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾
وتقدم هذه القراءة تفسيرًا خاصًا لمعنى الزنا في هذا الموضع. فترى أن المقصود بالزنا هنا هو الإباحية (البورن)، وما يرتبط بها من العروض الجنسية العلنية، أو الاتجار بالجنس من أجل المال أو الشهرة. وعلى هذا الأساس تفرق هذه القراءة بين مفهوم الفاحشة عمومًا وبين الزنا خصوصًا، فتقرر أن كل زنا فاحشة، لكن ليس كل فاحشة تدخل في مفهوم الزنا الوارد في هذه الآية، بل ترى أن الآية تتحدث عن حالة مخصوصة تتمثل في الإباحية والعروض الجنسية والاتجار بالجنس.
تحريم القتل ومنع دوائر الثأر
ثم يقول تعالى:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾
وتربط هذه القراءة النهي عن الإسراف في القتل بمنع الثأر. فالمقصود ألا يتحول القصاص إلى سلسلة من أعمال الانتقام، ولذلك جاء النهي عن الإسراف في القتل حتى لا تتسع دائرة الثأر، ويبقى الأمر في حدود ما أذن الله به من الحق.
حفظ الحقوق والوفاء بالعهد
ثم تتتابع الآيات فتقول:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾
ثم:
﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾
ثم:
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾
وبذلك تستمر منظومة القيم التي بدأتها سورة الأنعام، مع مزيد من التفصيل في بيان الحقوق والالتزامات التي يقوم عليها الصراط المستقيم.
الفؤاد المترجم الذي يحول المدركات إلى أفكار
ثم تأتي الآية:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾
وعند هذه الآية تقدم هذه القراءة تصورها لمعنى الفؤاد. فالفؤاد هو المترجم. وهو كذلك صاعق الفكر. فهو يستقبل ما يصل من الحواس من معلومات، ثم يقوم بتحويل هذه المدخلات إلى أفكار، وبعد ذلك يرسلها إلى الدماغ ليكمل عملية التفكير. وبهذا التصور لا يعمل الدماغ على البيانات الخام التي تنقلها الحواس مباشرة، وإنما تمر هذه البيانات أولًا عبر الفؤاد، فيحولها إلى أفكار، ثم تصبح المادة التي يعمل عليها الدماغ بعد ذلك. ولهذا ترى هذه القراءة أن للفؤاد وظيفة مستقلة في عملية الإدراك، وتعده الحلقة التي تربط بين الحواس وبين التفكير، وتشير إلى أن هذا الموضوع يحتاج إلى بحث مستقل وتفصيل أوسع.
الحكمة الاسم الذي ختم به القرآن هذه المنظومة
ثم تختم الآيات بقوله تعالى:
﴿ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾
وعند هذه الخاتمة تصل هذه القراءة إلى الربط الذي قامت عليه منذ بداية البحث. فالوصايا التي عرضتها سورة الأنعام، ثم جاءت سورة الإسراء بتفصيلها، هي نفسها التي وصفها القرآن هنا بأنها الحكمة. ومن ثم ترى هذه القراءة أن العلاقة بين هذه المفاهيم علاقة متصلة؛ فالوصايا العشر، ثم الحكمة، ثم الصراط المستقيم، كلها تشير إلى المنظومة نفسها التي تتحقق بها عبادة الله، وأن السير على هذه المنظومة هو الكيفية التي يُعبد بها الله سبحانه وتعالى.
وختاماً، بدأت هذه الرحلة من سؤال واحد يتكرر كثيرًا عند قراءة قوله تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
ثم سارت هذه القراءة خطوة بعد أخرى للإجابة عن هذا السؤال. فبدأت أولًا ببيان المقصود بالجن والإنس، مع التفريق بين أصل الخلق وبين الصفات، وانتهت إلى أن لفظي الجن والإنس يُفهمان هنا بوصفهما صفتين تتعلقان بالظهور والاستتار، مع بقاء أصل الخلق إما جانًا وإما إنسانًا. ثم انتقلت إلى معنى لفظ «عبد»، وقدمت فهمها له باعتباره من أفعال الأضداد، يجمع بين معنى الطاعة ومعنى المعصية، وربطت ذلك بطبيعة الإنسان المخير، وبباب التوبة والاستغفار الذي فتحه الله لعباده.
ثم أعادت قراءة سورة الكافرون على هذا الأساس، لترى أن اختلاف دلالة لفظ «عبد» بين آيات السورة هو الذي يرفع توهم التكرار ويكشف عن جمال نظمها. وبعد ذلك عادت إلى آية الذاريات مرة أخرى، لتخلص إلى أن معنى العبادة يرتبط بالطاعة التي يختارها الإنسان بإرادته، مع بقائه قادرًا على المعصية بإرادته أيضًا، حتى يكون للتوبة والاستغفار موضعهما في حياة المكلف.
ثم انتقل البحث إلى سؤال آخر لا يقل أهمية، وهو: كيف نعبد الله؟
وجاءت الإجابة بأن عبادة الله تتحقق باتباع الصراط المستقيم، الذي عُرض في صورة الوصايا الجامعة في سورة الأنعام، ثم فُصل في سورة الإسراء تحت اسم الحكمة، حتى تكتمل منظومة القيم التي يسير عليها الإنسان في حياته. وعلى امتداد هذه الرحلة جرى الربط بين الوصايا، والحكمة، والصراط المستقيم، بوصفها أسماءً تشير إلى منظومة واحدة، تقوم على التوحيد، والإحسان، والعدل، والوفاء، وصيانة الحقوق، وحفظ المجتمع، والالتزام بالقيم التي عرضها القرآن في تلك الآيات.
وبهذا تنتهي هذه القراءة عند النتيجة التي انطلقت منها، وهي أن فهم معنى العبادة لا يكتمل بمجرد الوقوف عند لفظ «ليعبدون»، وإنما يحتاج إلى تتبع استعمال لفظ «عبد» في القرآن، ثم النظر في الصراط المستقيم الذي يبين كيفية تحقيق هذه العبادة، حتى تتكون صورة مترابطة تبدأ من آية الذاريات، وتمر بسورة الكافرون، ثم وصايا سورة الأنعام، ثم تفصيلها في سورة الإسراء، لتشكل في النهاية رؤية واحدة لمعنى العبادة وكيفية السير فيها، وفق هذا الطرح التدبري.
