قال الله تعالى في سورة البقرة:
﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
يبقى سؤال يثير التأمل كلما قرأنا هذه الآيات:
ما الذي حدث بالضبط حتى طُرد آدم وزوجه من الجنة؟
ما الذي جرى بين آدم وزوجه؟ وماذا فعل الشيطان حتى أُهبطا من الجنة؟
حاول كثيرون الاقتراب من هذا السؤال، وقدم كل منهم تصورًا أو قراءة لما يمكن أن يكون قد حدث. وربما اقترب الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي من جواب هذا السؤال في روايته «حلم رجل مضحك»؛ لا بوصفها جوابًا يقينيًا، وإنما قراءة فلسفية قد تفتح بابًا واسعًا للتأمل.
حال البشر قبل كارثة السقوط
تبدأ الرواية بوصف حال البشر قبل وقوع السقوط.
قبل أن تتسرب ذرة الكذب الأولى.
وقبل أن تعرف البشرية معنى الإثم.
كانت هناك جنة مفقودة.
كان البشر يعيشون في تطابق تام مع الكون، وكانت قلوبهم نقية كقلوب الأطفال، وكانت حياتهم نغمًا واحدًا من الاتساق والانسجام. ولم يكونوا بحاجة إلى العلم أو القوانين، لأن حياتهم كانت قائمة على الفطرة، ولم تكن تعرف ما يفسدها.
البطل يرى نفسه سببًا في هدم تلك الجنة
في لحظة يصفها الراوي بأنها صادمة، يجد نفسه قد لعب الدور الأكثر شرًا في التاريخ. لقد رأى نفسه يؤدي دور الشيطان الذي جاء ليهدم تلك الجنة. ولم يكن الأمر بحاجة إلى قرون أو نيران، بل كان يكفي أن يكون إنسانًا مثقلًا بأمراض العصر حتى يتحول إلى ذرة طاعون معدية.
ويصور نفسه كالحية التي نفثت سم الأنانية والكذب في قلوب لم تكن تعرف سوى النقاء. ويرى أنه كان الغريب الذي حمل معه لعنة الأنا، وأن حضوره بينهم جعل أولئك الأبرياء يتذوقون لذة الخديعة، ثم يسقطون بعدها في هاوية الغيرة والدماء. ويصف ما حدث بأنه سقوط ثانٍ، لكن هذه المرة لم يكن بإفساد الشيطان للإنسان، وإنما بإفساد الإنسان للإنسان.
ثم يقول إن الأمر انتهى بإفسادهم جميعًا.
اعترافه بأنه كان سبب الإثم الأول
بعد ذلك يعترف الراوي بأنه لا يعرف كيف حدث كل شيء على وجه الدقة. ويقول إنه لا يتذكر التفاصيل كاملة، لأن الحلم مر عليه كأنه عبر آلاف السنين، ولم يبق في نفسه إلا الإحساس الكامل بما وقع. لكنه يعلم أمرًا واحدًا. أنه هو نفسه كان سبب الإثم الأول. ويشبه نفسه بدودة أو بذرة طاعون يمكن أن تنقل العدوى إلى بلد كامل، ويقول إنه أمرض بحضوره أرضًا سعيدة لم تكن تعرف الخطيئة.
كيف بدأت أول ذرة كذب؟
يقول الراوي إن الناس تعلموا الكذب.
ثم أحبوه.
ثم عرفوا مواطن الجمال فيه.
ويرى أن البداية ربما كانت بسيطة، على سبيل المزاح أو الغنج أو الدعابة أو اللعب.
لكن الحقيقة أن البداية كانت مجرد ذرة.
غير أن ذرة الكذب تلك تسربت إلى قلوبهم، ثم أعجبتهم.
وبعد ذلك ظهرت اللذة بسرعة.
ثم ولدت اللذة الغيرة.
ثم ولدت الغيرة القسوة.
أول دم يُسفك بين البشر
يقول الراوي إنه لا يتذكر ما جرى بعد ذلك بالتفصيل، لكنه يذكر أن أول دم سُفك بعد وقت قصير. وقد أصاب الناس الذهول والخوف مما حدث. ثم تفرقوا، وابتعد بعضهم عن بعض. وظهرت التحالفات، لكن كل تحالف أصبح في مواجهة الآخر. وبدأت المعاتبات والتقريعات. ثم عرف الناس الخجل، فأصبح فضيلة عندهم. وظهر مفهوم الشرف. ورفع كل حلف رايته الخاصة. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل بدأ الناس يعذبون الحيوانات، فهربت منهم إلى الغابات، وأصبحت عدوًا لهم.
بداية الانفصال والفردية
بعد أن سُفك الدم الأول، لم تعد حياة البشر كما كانت. بدأت معركة جديدة، لكنها لم تكن معركة على الطعام أو البقاء، وإنما كانت معركة من أجل الانفصال والفردية والشخصية.
أصبح كل إنسان يقول:
هذا لك، وهذا لي.
وبعد أن كانت حياتهم قائمة على الانسجام، ظهرت الحدود الفاصلة بين الناس، وأخذ كل واحد يتمسك بما يخصه. ومع هذا التحول أخذوا يتحدثون بلغات مختلفة، فازداد التباعد بينهم، ولم تعد الوحدة التي عاشوها في البداية موجودة.
ظهور الاكتئاب والعذاب والعلم
عرف الناس الاكتئاب، ثم أحبوه.
وأصبحوا يتعطشون إلى العذاب، وقالوا إن الحقيقة لا تُبلغ إلا بالعذاب. وعند ذلك ظهر العلم عندهم. ويعرض الراوي ظهور العلم بعد هذه المرحلة، أي بعد أن دخل الكذب إلى حياتهم، وبعد أن عرفوا الغيرة والقسوة وسفك الدم والانفصال، ثم بدأوا يتحدثون عن الحقيقة وعن الطريق إليها.
الحديث عن الأخوة بعد أن أصبحوا أشرارًا
يقول الراوي:
عندما أصبحوا أشرارًا أخذوا يتحدثون عن الأخوة والإنسانية، وفهموا تلك الأفكار. وعندما أصبحوا مجرمين اخترعوا العدالة، وكتبوا قوانين تصونها، ولأجل تطبيق تلك القوانين نصبوا المقصلة. ويصور الراوي هذا التحول بوصفه نتيجة لما وصلوا إليه، فبعد أن فقدوا حالتهم الأولى بدأوا يبحثون عن وسائل تضبط حياتهم الجديدة.
نسيان البراءة الأولى
لم يتذكر الناس إلا القليل مما فقدوه.
ورفضوا أن يصدقوا أنهم كانوا يومًا من الأيام أبرياء وسعداء. بل سخروا من إمكان وجود تلك السعادة، وأطلقوا عليها اسم حلم، وعجزوا عن تصورها في صورة أو هيئة محسوسة. وأصبحت حياتهم الأولى شيئًا بعيدًا لا يكادون يصدقون أنه كان موجودًا.
الحنين إلى السعادة التي فقدوها
ومع ذلك، يصف الراوي أمرًا يراه غريبًا.
فعلى الرغم من أنهم فقدوا الإيمان بتلك السعادة، واعتبروها حكاية أو خرافة، فإنهم ظلوا يتوقون بقوة إلى استعادة براءتهم وسعادتهم. وسجدوا مرة أخرى أمام أمنيات قلوبهم كما يسجد الأطفال. وألهوا تلك الأمنيات، ثم بنوا المعابد، وأخذوا يصلون فيها لتلك الأفكار، وتلك الأمنيات، مع علمهم أنها غير قابلة للتحقق. ومع ذلك ظلت الدموع ترافق صلواتهم وخشوعهم.
لو خُيِّروا بين العودة والرفض
ثم يطرح الراوي تصورًا آخر.
فلو أصبح في استطاعتهم العودة إلى تلك الحالة من البراءة والسعادة التي فقدوها، وتمكن أحد من أن يعرضها عليهم ثم يسألهم:
هل ترغبون في العودة إليها؟
يقول إن أغلب الظن أنهم سيرفضون.
وسيقولون:
نحن كذابون، وأشرار، وغير عادلين.
نعلم ذلك.
ونبكي بسببه.
ونعذب أنفسنا من أجله.
ونعاقب ذواتنا بصورة أشد مما يمكن أن يفعل الصانع الرحيم حين يحاسبنا.
وما زلنا لا نعرف اسمه.
لكن لدينا الآن العلم.
وسنبحث بواسطته عن الحقيقة من جديد، فنعتنقها هذه المرة عن وعي.
وأصبحوا يقولون:
المعرفة فوق الإحساس. والوعي بالحياة فوق الحياة نفسها. والعلم يمنح الحكمة. والحكمة تكشف القوانين. ومعرفة قوانين السعادة فوق السعادة نفسها.
تعظيم الذات على حساب الآخرين
بعد تلك الكلمات، يصف الراوي تحولًا جديدًا طرأ على البشر. فقد ارتفعت نرجسية كل واحد منهم فوق الآخرين، ولم يعد بمقدورهم أن يتصرفوا بغير ذلك. وازدادت غيرة كل إنسان على شخصيته، وأصبح يسعى إلى إذلال شخصيات الآخرين، وإلى الخفض من شأنها. واعتمد كل واحد منهم على بقائه الشخصي فحسب، بعد أن كانت حياتهم الأولى تقوم على الانسجام والوحدة.
ظهور العبودية الطوعية
ومع هذا التحول ظهرت العبودية. ولم تقتصر على العبودية التي تُفرض بالقوة، بل ظهرت العبودية الطوعية أيضًا. فقد خضع الضعفاء للأقوياء طوعًا، طمعًا في أن يساعدهم الأقوياء على سحق من هم أكثر منهم ضعفًا. وهكذا أصبحت القوة وسيلة للسيطرة، وأصبح الضعيف يبحث عمن يحتمي به، ولو كان ذلك على حساب من هو أضعف منه.
ظهور الصالحين ودعوتهم إلى الرجوع
ويقول الراوي إن نفرًا من الصالحين قدموا إلى هؤلاء البشر. وكانت الدموع في عيونهم، وهم ينصحون الناس، ويحدثونهم عن صلفهم، وعن فقدانهم الاعتدال والاتساق، وعن فقدانهم الخجل. لكن الناس لم يقبلوا نصحهم. بل سخروا منهم، وقذفوهم بالحجارة أحيانًا، حتى سال الدم المقدس على عتبات المعابد.
محاولة إعادة الوحدة بين البشر
وفي المقابل ظهر نفر آخر من الناس، أخذوا يفكرون في كيفية إعادة الوحدة بين البشر. وكانت فكرتهم أن يبقى الإنسان يحب نفسه أكثر من الجميع، لكنه لا يقف في طريق غيره، فيعيش الناس جميعًا في مجتمع يقوم على الوئام. لكن هذه الفكرة نفسها كانت سببًا في اندلاع حروب كاملة. فقد كان كل المحاربين يؤمنون بقوة بأن العلم، والحكمة، والرغبة في البقاء، ستجبر الإنسان في النهاية على الاجتماع في مجتمع عاقل، يقوم على الوفاق. ولأجل الوصول إلى هذه الغاية، سعى الحكماء إلى تصفية غير الحكماء جميعًا، ممن لا يفهمون أفكارهم، حتى لا يعيقوا انتصارها.
التعلق بالملذات ثم الانتحار
لكن رغبة البقاء الذاتي سرعان ما ضعفت. وظهر المعتزون بأنفسهم، والمتجبرون، والمندفعون خلف ملذاتهم. وكانوا يطلبون كل شيء أو لا شيء. ولأجل الحصول على كل شيء لجؤوا إلى الوحشية. فإن لم يبلغوا غايتهم لجؤوا إلى الانتحار.
ظهور الدعوة إلى العدم
ثم ظهرت ديانات تدعو إلى العدم، وإلى تدمير الذات، من أجل الوصول إلى الراحة الأبدية في اللاوجود. ويعرض الراوي هذه المرحلة باعتبارها واحدة من المراحل التي انتهى إليها ذلك المسار الذي بدأ منذ تسرب ذرة الكذب الأولى.
تمجيد العذاب والألم
وأخيرًا تعب هؤلاء البشر من عملهم الذي لا جدوى منه. وظهرت على وجوههم علامات المعاناة. ثم نادوا بأن العذاب والمعاناة هما الجمال، لأن الفكر في العذاب. ومضوا يغنون الألم في أغنياتهم. وهكذا أصبح الألم جزءًا من نظرتهم إلى الحياة، بعد أن كانوا يعيشون في عالم لم يعرف هذه المعاني.
ندم الراوي بعد أن رأى ما آلت إليه الأرض
بعد أن انتهى الراوي من وصف ما أصاب تلك الأرض، عاد ليتحدث عن نفسه، وعن موقفه مما حدث.
يقول:
وكنت أتجول بينهم منحني اليدين، باكيًا لأجلهم، وشاعرًا بالحب نحوهم، ربما أكثر من ذي قبل، حين لم يكن العذاب يعلو وجوههم، وكانوا بريئين رائعين.
ويقول أيضًا:
وأحببت الأرض التي دنسوها أكثر مما مضى يوم كانت جنة، لأن الألم قد ضحّاها. ثم يعترف بأنه كان يحب الألم والعذاب دائمًا، لكنه كان يحبهما لنفسه وحده. أما عندما رأى أولئك البشر وما وصلوا إليه، فإنه بكى عليهم، ورثى حالهم، وأخذ يبسط يديه نحوهم، وهو يدين نفسه، ويلعنها، ويحتقرها حتى بلغ به الأمر حد الهذيان.
اعترافه بأنه هو الذي حمل إليهم الفساد
لم يكتفِ الراوي بالشعور بالندم، بل أعلن أمامهم أنه هو المسؤول عما حدث.
فقال لهم:
إن كل هذا إنما صنعته أنا.
ثم كرر اعترافه قائلًا:
أنا وحدي.
وأضاف:
وأنا الذي حملت إليهم الفساد، والعدوى، والكذب. ثم أخذ يتضرع إليهم، ويطلب منهم أن يصلبوه. بل يقول إنه هو الذي علّمهم كيف يصنعون الصليب.
رغبته في أن يتحمل عذابهم
ويواصل الراوي حديثه فيقول إنه لم يكن يملك القوة التي تمكنه من قتل نفسه. لكنه كان يريد أن يحمل عذاباتهم جميعًا. وكان يتحرق للألم والعذاب، ويتمنى أن يُسفك دمه حتى آخر قطرة في سبيل ذلك. ويرى أن ما أصابهم كان يستحق أن يتحمل هو تبعته كاملة.
رد البشر عليه
لكن الناس لم يقابلوا اعترافه كما كان يتوقع. فلم يزيدوا على الضحك مما كان يفعله. ثم اعتبروه مجنونًا. وبعد ذلك قالوا له إنهم لم يحصلوا إلا على ما تمنوه لأنفسهم. وأن كل ما هو موجود الآن، ما كان بالإمكان إلا أن يوجد. ثم أعلنوا أنه أصبح خطرًا عليهم. وقالوا إنهم سيحبسونه في بيت المجانين إن لم يصمت.
نهاية الحلم
عند هذه اللحظة يقول الراوي:
نفذ الحزن إلى نفسي بصورة شديدة. ثم شعر أن قلبه قد انقبض بقوة. وأنه يموت. وفي تلك اللحظة استيقظ من حلمه.
العودة إلى السؤال الأول
بعد انتهاء الرواية، يعود السؤال الذي بدأت به:
ما الذي حدث حتى خرج آدم وزوجه من الجنة؟
وهل كان دوستويفسكي يكتب رواية عابرة، أم كان يغوص في أعماق الذاكرة الإنسانية باحثًا عن أصل السقوط؟
تفوح من هذه السطور رائحة الخطيئة الأولى.
تلك الخطيئة التي طردت الإنسان من جنة البراءة.
وتلك الهمسة التي حولت الطمأنينة إلى خجل، والوصل إلى انفصال.
وتوحي هذه القراءة بأن كل ذرة كذب ينطق بها الإنسان قد تحمل صدى تلك القصة القديمة، حيث كان يكفي أن يتسرب الوهم إلى قلبين فقط، حتى تسقط الأرض كلها في فخ الشقاء. ولا يذكر دوستويفسكي الاسمين، ولا يسمّي ذلك البستان القديم، لكن البحث عن البراءة المفقودة، والندم الذي ترافقه الدموع، يفتح بابًا واسعًا للتأمل.
وفي النهاية، لا تبدو هذه الرواية مجرد حلم لرجل مضحك، بل مرآة صادمة لبداية الإنسان، وتأملًا فلسفيًا في السقوط الذي ما زال الإنسان يعيش آثاره.
ليست المأساة أن الإنسان خرج من الجنة... بل أن رحلة الخروج ربما بدأت وهو لا يشعر. ذرة كذب لم تُقاوَم، ورغبة صغيرة لم تُوقَف، ووهم وجد طريقه إلى القلب، ثم أخذ يكبر حتى غيّر الإنسان، ثم المجتمع، ثم التاريخ. وسواء أصاب دوستويفسكي في هذا التصور أم لم يصب، فقد ترك سؤالًا يصعب الفرار منه: كم من نهاية مأساوية بدأت من شيء ظنه أصحابها لا يستحق الانتباه؟
