ليست كل كلمة اشتهرت بين الناس قد اكتملت صورتها في الأذهان، ولا كل معنى استقر عبر الزمن يكون بالضرورة هو أول ما يقود إليه جمع الآيات. فالقرآن لا يبني دلالات ألفاظه من خلال موضع واحد، وإنما تتكامل معانيه حين تُقرأ آياته مجتمعة، ويُنظر إلى الكلمة في جميع السياقات التي وردت فيها.
ولفظ ﴿الرَّجْم﴾ من أكثر الألفاظ التي تستحق هذا النوع من التدبر.
فبمجرد أن يُذكر، تتبادر إلى الذهن صورة واحدة تكاد تطغى على سائر استعمالاته، حتى أصبح كثير من الناس يقرؤون جميع مواضعه من خلال هذا التصور المسبق. لكن عندما يجمع القارئ كل الآيات التي ورد فيها هذا اللفظ، يجد نفسه أمام مشاهد متباعدة لا يجمعها حدث واحد ولا شخصية واحدة.
فالقرآن يصف إبليس بأنه ﴿رَجِيمٌ﴾، ويحكي تهديد آزر لإبراهيم بقوله: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾، ويصف بعض الأقوال بأنها ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾، وينقل تهديد الأقوام لأنبيائهم بالرجم، ويتحدث عن رجم الشياطين بالشهب، وكل ذلك باللفظ نفسه، مع اختلاف واضح في طبيعة الأحداث والسياقات.
وهنا يفرض القرآن سؤالاً لا ينبغي تجاوزه.
هل استخدم القرآن لفظ ﴿الرَّجْم﴾ لمعانٍ متفرقة لا يجمعها رابط، أم أن هناك أصلاً دلالياً واحداً تتفرع عنه هذه الاستعمالات جميعاً بحسب اختلاف السياق؟
هذا السؤال لا يمكن أن تجيب عنه آية واحدة، لأن الكلمة لا تُفهم من خلال أول موضع ترد فيه، بل من خلال جميع المواضع التي استعملها فيها القرآن. فكما أن السورة يفسر بعضها بعضاً، فإن الألفاظ القرآنية يكشف بعضها بعضاً أيضاً، حتى تتكون الدلالة الكاملة من اجتماع السياقات لا من عزلها.
ولهذا، لن تنطلق هذه الدراسة من معنىٍ مفترض، ولا من نتيجة يراد إثباتها مسبقاً، وإنما ستبدأ من القرآن نفسه، فتجمع جميع مواضع ﴿الرَّجْم﴾ ومشتقاته، ثم تقرأ كل موضع في سياقه، قبل أن تنظر إلى الصورة التي ترسمها الآيات مجتمعة. فقد لا يكون السؤال الحقيقي: ماذا تعني كلمة الرجم في موضعٍ واحد؟ بل: ماذا أراد القرآن أن نفهمه عندما كررها في كل هذه المواضع المختلفة؟
أول موضع للرجم في القرآن وكيف بدأ القرآن تعريف اللفظ؟
إذا كان القرآن هو الذي يفسر ألفاظه، فإن أول ما ينبغي النظر إليه هو أول موضع استعمل فيه اللفظ؛ لأن بداية الاستعمال كثيرًا ما ترسم الإطار الذي تتحرك داخله بقية المواضع. وعند تتبع مشتقات لفظ ﴿الرَّجْم﴾، نجد أن القرآن لا يفتتحها في سياق عقوبة بشرية، ولا في مشهد يتحدث عن قذفٍ بالحجارة، وإنما يفتتحها في أول مواجهة بين الله وإبليس بعد امتناعه عن السجود لآدم.
يقول الله تعالى:
﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
ومن اللافت أن بناء الآيتين متدرج بدقة.
فأولاً جاء الأمر الإلهي:
﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾.
ثم جاء وصف إبليس:
﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾.
ثم خُتم المشهد بقوله تعالى:
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
وهذا الترتيب يدعو إلى التأمل؛ إذ جاء وصف ﴿رَجِيمٌ﴾ مباشرة بعد الأمر بالخروج، ثم أعقبه تقرير اللعنة الدائمة. فالآيات لا تعرض فعلاً مادياً، ولا تذكر وسيلةً حسية، وإنما تصف حالةً نتج عنها الإخراج، واستقر معها الإبعاد، واستمرت بسببها اللعنة. ومن هنا، يبدو أن أول استعمال قرآني لهذا اللفظ يرتبط بسياق يقوم على إخراجٍ حاسم، وقطعٍ للمقام، وإبعادٍ دائم، لا بمجرد وصف أداة أو وسيلة بعينها.
ولا تكفي هذه الآية وحدها لتحديد جميع دلالات اللفظ، لكنها تقدم أول خيط في تتبع استعمالاته. فلو كان هذا المعنى سيبقى حاضرًا في بقية المواضع، فستكشفه الآيات التالية. أما إذا كان القرآن ينتقل إلى معنى مختلف تمامًا، فسيظهر ذلك أيضًا من خلال السياق.
ولهذا، لا نتعجل النتيجة، بل ننتقل إلى الموضع التالي، لنرى: هل يتكرر هذا البناء مرة أخرى عندما ينتقل لفظ ﴿الرَّجْم﴾ من الحديث عن إبليس إلى الحديث عن البشر؟
ماذا أراد آزر حين قال لإبراهيم: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾؟
بعد أول استعمال للفظ ﴿الرَّجْم﴾ في سياق إبعاد إبليس، ينتقل القرآن إلى مشهد مختلف تمامًا؛ فلا نحن أمام ملأٍ أعلى، ولا أمام حكم إلهي، وإنما أمام حوار يدور بين أبٍ وابنه، بين آزر وإبراهيم عليه السلام.
يقول الله تعالى:
﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾.
وهنا يلفت النظر أن التهديد لم يقف عند قوله:
﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾،
بل أعقبه مباشرة بقوله:
﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾.
وهذا الاقتران يستحق التأمل؛ لأن القرآن جمع بين التهديد بالرجم، وبين أمر إبراهيم بالابتعاد والهجر زمناً طويلاً، في سياق واحد لم يفصل بين جزأيه.
ومن هنا يبرز سؤال جديد.
هل جاءت عبارة ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ مجرد انتقال إلى فكرة أخرى، أم أنها تكمل صورة الموقف الذي يرسمه السياق؟
فالآيات تصف أبًا أعلن رفضه لدعوة ابنه، ثم هدده إن استمر عليها، ثم ختم كلامه بالأمر الصريح:
﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾.
أي ابتعد عني، وانقطع عني، ولا تعد إلى مخالطتي زمناً طويلاً.
ومن هنا، يقرأ بعض الباحثين هذا الموضع على أن التهديد بالرجم جاء في سياق قطع العلاقة، والإبعاد، وإخراج إبراهيم من محيط أبيه ومجتمعه، لا باعتباره وصفًا لوسيلة بعينها. ويستند هذا الفهم إلى اقتران لفظ ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ مباشرةً بالأمر بالهجر، وإلى أن السياق كله يدور حول رفض إبراهيم وآزر لبعضهما في العقيدة والانتماء. وسواء انتهى القارئ إلى هذا الفهم أو إلى غيره، فإن الملاحظة تبقى قائمة؛ وهي أن القرآن قرن هنا بين الرجم وبين الهجر والإبعاد في مشهد واحد، كما قرن في الموضع السابق بين الرجم وبين الخروج من المقام.
وهنا تتسع دائرة السؤال أكثر.
فإذا كان أول موضع ارتبط فيه اللفظ بالخروج، وثاني موضع اقترن بالهجر والقطيعة، فهل يستمر هذا النمط عندما ينتقل القرآن إلى استعمال آخر لا يتعلق بالأشخاص أصلًا، وإنما بالأقوال نفسها؟
وهذا ما يقودنا إلى موضع فريد في القرآن، استُعمل فيه لفظ ﴿الرَّجْم﴾ لوصف حديثٍ عن الغيب، لا لوصف إنسان.
كيف وصف القرآن الظنون بأنها رجم بالغيب؟
بعد أن استُعمل لفظ ﴿الرَّجْم﴾ في وصف إبليس، ثم في تهديد إبراهيم عليه السلام، ينتقل القرآن إلى سياق يختلف عنهما تمامًا. فلا يوجد هنا تهديد، ولا خصومة، ولا حديث عن إنسان يراد إبعاده، بل يدور الكلام حول عدد أصحاب الكهف، وهو أمر غيبي لم يشهده أحد.
يقول الله تعالى:
﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾.
وهنا تتغير طبيعة الاستعمال بالكامل.
فالرجم لم يعد متعلقًا بشخص، ولا بعقوبة، ولا بإخراج أحد من مكان، وإنما أصبح وصفًا لكلام.
وهذا يدعو إلى التأمل في التعبير نفسه:
﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾.
فالآية تتحدث عن أقوال قيلت في أمر لم يشهده أصحابها، ولم يقم لديهم عليه علم. ولهذا أعقبها القرآن مباشرة بقوله:
﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾.
وكأن الآية تنقل القارئ من ظنون البشر إلى العلم الذي عند الله.
ومن هنا، يلاحظ أن لفظ ﴿الرَّجْم﴾ لم يعد مرتبطًا بحركةٍ تقع على إنسان، بل صار متعلقًا بطريقة إصدار الأحكام نفسها. فالقول يصدر في أمر غائب، ويُلقى دون يقين، ويُبنى على التخمين لا على العلم. ولهذا، يرى أصحاب هذه القراءة أن التعبير يشير إلى إطلاق القول مع انقطاعه عن مصدر العلم؛ أي إن المتكلم يفصل حكمه عن اليقين، ثم يمضي به وكأنه حقيقة، ولذلك وصفه القرآن بأنه ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾. وسواء انتهى القارئ إلى هذا الفهم أو فهم غيره، فإن الملاحظة التي لا تخطئها العين هي أن اللفظ خرج هنا من المجال الحسي كله، وأصبح يصف كيفية التعامل مع المعرفة، لا كيفية التعامل مع الأشخاص.
وهنا تتسع دائرة الاستعمال أكثر من ذي قبل.
فإذا كان لفظ ﴿الرَّجْم﴾ قد استُعمل في أول موضع مع إبليس، ثم مع إبراهيم عليه السلام، ثم في وصف أقوال تُبنى على الظن، فإن السؤال يزداد إلحاحًا:
هل سيبقى هذا الخيط حاضرًا عندما يعود اللفظ إلى تهديد الأنبياء من جديد؟
وهذا ما تكشفه الآيات التالية، حين يصبح ﴿الرَّجْم﴾ جزءًا من خطاب الطغاة في مواجهة رسل الله.
دلالة الرجم في مواجهة الأقوام لأنبيائهم
بعد أن وصف القرآن بعض الأقوال بأنها ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾، يعود لفظ ﴿الرَّجْم﴾ للظهور مرة أخرى، ولكن هذه المرة في سياق الصراع بين الأنبياء وأقوامهم. ويتميز هذا الاستعمال بأنه يتكرر في أكثر من قصة، مع اختلاف الأقوام والأنبياء، وكأن القرآن يريد أن يلفت النظر إلى نمط متكرر في مواجهة أهل الباطل لأهل الحق.
ففي قصة شعيب عليه السلام يقول الله تعالى:
﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾.
ومن اللافت أن القوم لم يناقشوا حجة شعيب، بل انتقلوا مباشرة إلى التهديد، ثم عللوا عدم تنفيذه بقولهم:
﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ﴾.
وهذا يدل على أن رهط شعيب كانوا يمثلون قوة اجتماعية تمنع قومه من تنفيذ ما توعدوا به، وهو ما يجعل التهديد متعلقًا بإزالة هذا الحاجز الذي يحول دون التخلص منه.
ويتكرر المشهد بصورة أخرى في قصة أصحاب القرية، حيث يقول الله تعالى:
﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وهنا يلفت النظر اقتران التهديد بالرجم مع تهديد آخر مستقل:
﴿وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
فالعطف بين الأمرين يدل على أن القرآن يذكر صورتين من صور العقوبة، لا عبارةً واحدة مكررة بالمعنى نفسه. ولذلك يبرز السؤال: ما الذي أراده القوم بقولهم: ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾، ثم ماذا أضافوا بعده بقولهم: ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؟ ويظهر المشهد نفسه في قصة فتية الكهف، لكن من زاوية مختلفة؛ إذ ينقل القرآن خوف الفتية أنفسهم مما قد يفعله قومهم إن عثروا عليهم، فيقولون:
﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾.
وهنا تتجاور عبارتان تستحقان التدبر:
﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾
و
﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾.
فالآية تعرض خيارين يملكهما أصحاب السلطان: إما القضاء على موقف الفتية الرافض، وإما إعادتهم إلى الملة التي خرجوا منها. ولذلك يرى أصحاب هذه القراءة أن هذا السياق يعزز ملاحظة تكررت في المواضع السابقة، وهي أن لفظ ﴿الرَّجْم﴾ يرتبط في هذه المشاهد بإزالة وجود الطرف الآخر أو إنهاء أثره، بينما تختلف صورة ذلك بحسب طبيعة كل موقف.
ولا يهدف هذا الجمع إلى تحميل كل موضع معنىً واحدًا بالقوة، وإنما إلى ملاحظة أن القرآن يعيد استعمال اللفظ في مواقف متشابهة من حيث النتيجة؛ إذ يقف أصحاب السلطة في مواجهة الأنبياء أو المؤمنين، ثم يكون ﴿الرَّجْم﴾ هو اللفظ الذي يعبر عن الإجراء الذي يهدد وجودهم واستمرار دعوتهم.
ومع ذلك، فإن تتبع اللفظ لم يكتمل بعد.
فما زال القرآن يذكر موضعًا آخر يختلف عن جميع ما سبق؛ إذ يأتي اللفظ هذه المرة على لسان نبي من أنبياء الله، لا على لسان خصومه، وهو ما يفتح بابًا جديدًا لفهم دلالة هذا الاستعمال في سياق مختلف.
ماذا قصد موسى عليه السلام بقوله: ﴿أَنْ تَرْجُمُونِ﴾؟
بعد استعراض المواضع التي ورد فيها لفظ ﴿الرَّجْم﴾ على ألسنة الأقوام في مواجهة أنبيائهم، ينقلنا القرآن إلى مشهد آخر يختلف في زاوية النظر؛ فهذه المرة لا يتحدث القوم، بل يتحدث موسى عليه السلام نفسه، وهو يعلن استعاذته بالله من أمر يخشاه.
يقول الله تعالى:
﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾.
وهذه الآية تثير سؤالًا جديدًا.
ما الذي استعاذ منه موسى عليه السلام تحديدًا؟
فالقرآن لا يذكر هنا تفاصيل الفعل، وإنما ينقل استعاذة موسى من ﴿الرَّجْم﴾ مباشرة، ويترك للقارئ أن يفهم دلالة اللفظ من خلال السياق الذي ورد فيه. وعند الرجوع إلى قصة موسى مع فرعون في القرآن، نجد أن صورة المواجهة كانت تقوم على رفض الدعوة، واستعمال السلطة لقهر المؤمنين، وتهديد كل من يخرج عن إرادة فرعون.
ويقول فرعون في موضع آخر:
﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾.
كما يقول:
﴿سَأُقَطِّعُ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
وتبين هذه الآيات أن فرعون كان يملك وسائل متعددة لإخماد الدعوة وإرهاب مخالفيه، ولم يكن أسلوبه مقصورًا على صورة واحدة من العقوبة. ولهذا، يرى أصحاب هذه القراءة أن استعاذة موسى من ﴿الرَّجْم﴾ تنسجم مع هذا السياق العام؛ أي مع كل ما يؤدي إلى إنهاء دعوته، أو إبعاده، أو القضاء على أثر رسالته، سواء وقع ذلك بالإقصاء، أو بالسجن، أو بأي صورة من صور بطش السلطة التي كان يمثلها فرعون.
ولا يعني هذا أن الآية تشرح لفظ ﴿الرَّجْم﴾ بنفسها، لكنها تضيف موضعًا جديدًا إلى سلسلة المواضع السابقة، حيث يرد اللفظ مرة أخرى في سياق صراع بين الحق والباطل، وبين دعوة تريد أن تستمر، وسلطة تريد أن توقفها.
وهنا تتكرر الملاحظة نفسها للمرة الخامسة.
فالقرآن يستخدم لفظ ﴿الرَّجْم﴾ في سياقات متباينة، لكن جميعها يدور حول مواجهة تنتهي بمحاولة إزالة الطرف الآخر، أو قطع أثره، أو منعه من الاستمرار، بينما تختلف صورة ذلك باختلاف المشهد نفسه.
ويبقى الموضع الأخير، وهو أكثر المواضع تميزًا في القرآن؛ لأن لفظ ﴿الرَّجْم﴾ لا يتعلق فيه بإنسان، ولا بنبي، ولا بقوم، وإنما بالشياطين أنفسهم، وهو الموضع الذي يكتمل به تتبع جميع استعمالات اللفظ في القرآن الكريم.
لفظ الرجم في سياق حفظ السماء من الشياطين
بعد تتبع جميع المواضع السابقة، يصل القرآن إلى آخر سياق يرد فيه لفظ ﴿الرَّجْم﴾، وهو سياق يختلف عن جميع ما سبقه. فلا الحديث هنا عن إنسان، ولا عن نبي، ولا عن قوم، وإنما عن عالم الغيب، وعن حفظ السماء من استراق الشياطين للسمع.
يقول الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾.
ويقول سبحانه:
﴿وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾.
وفي موضع آخر يقول:
﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ﴾.
وهنا تتضح صورة لا يختلف عليها السياق؛ فالشهب ليست مقصودة لذاتها، وإنما جاءت لتحقيق غاية يصرح بها القرآن نفسه، وهي منع الشياطين من الوصول إلى الملأ الأعلى، وطردهم عن موضع ليس لهم أن يبلغوه.
ولهذا، يربط القرآن بين القذف والدحور في الآية نفسها:
﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُورًا﴾.
فالقذف هنا وسيلة، أما الدحور والإبعاد فهو النتيجة التي يصرح بها النص.
وهذا الموضع يضيف ملاحظة مهمة إلى بقية المواضع السابقة؛ إذ يظهر أن القرآن عندما تحدث عن رجوم الشياطين لم يكن غرضه وصف المقذوف ذاته، بل بيان الوظيفة التي يحققها، وهي إبعاد الشياطين ومنعهم من الاقتراب.
وعند ضم هذا المشهد إلى ما سبقه، يلاحظ أصحاب هذه القراءة أن استعمالات لفظ ﴿الرَّجْم﴾ تدور في سياقات متباينة، لكنها تشترك في أن اللفظ يرتبط دائماً بفعلٍ يؤدي إلى إقصاء الطرف الآخر، أو منعه من الاستمرار في الموضع الذي يريد الوصول إليه، أو قطع أثره بحسب طبيعة السياق.
ففي قصة إبليس جاء اللفظ بعد الأمر بالخروج من المقام.
وفي حوار إبراهيم مع أبيه اقترن بالهجر والقطيعة.
وفي ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ وصف أقوالاً صدرت بغير علم.
وفي تهديد الأقوام لأنبيائهم ارتبط بإزالة وجودهم أو إيقاف دعوتهم.
وفي شأن الشياطين ظهر في سياق الحفظ والمنع والدحر.
وبهذا تكتمل جميع المواضع التي ورد فيها لفظ ﴿الرَّجْم﴾ ومشتقاته في القرآن الكريم، لتبدأ بعد ذلك مرحلة النظر في الصورة التي يرسمها اجتماع هذه الآيات، لا كل آية بمعزل عن الأخرى.
ماذا تكشف هذه المواضع عند قراءتها مجتمعة؟
بعد تتبع جميع المواضع التي ورد فيها لفظ ﴿الرَّجْم﴾ ومشتقاته، لا يعود السؤال متعلقًا بآيةٍ بعينها، وإنما بالصورة التي تتكون عندما تُقرأ هذه الآيات معًا. فالقرآن لم يستخدم هذا اللفظ في قصة واحدة، ولا في نوع واحد من الأحداث، بل وزعه على مشاهد متباعدة؛ مرة في الحديث عن إبليس، ومرة في قصة إبراهيم عليه السلام، ومرة في وصف أقوال قيلت بغير علم، ومرة في تهديد الأنبياء، ومرة في الحديث عن الشياطين.
ومع هذا التنوع الكبير، يبرز سؤال جوهري:
هل أراد القرآن لكل موضع معنىً مستقلًا، أم أن هذه المواضع تشترك في أصل دلالي واحد، ثم تتنوع تطبيقاته بحسب اختلاف السياق؟
وعند قراءة الآيات متتابعة، يلاحظ أصحاب هذه القراءة أن القاسم المشترك بينها ليس الأشخاص، ولا الأزمنة، ولا الأحداث، وإنما الأثر الذي يترتب على الرجم.
ففي قصة إبليس انتهى الأمر إلى إخراجه من مقامه، واستمرار لعنة الله عليه.
وفي حوار إبراهيم عليه السلام، جاء التهديد مقترنًا بالهجر وقطع العلاقة.
وفي ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ خرج القول عن دائرة العلم إلى دائرة الظن.
وفي تهديد الأقوام لأنبيائهم، ارتبط اللفظ بمحاولة إنهاء وجودهم أو إسكات دعوتهم.
وفي رجم الشياطين، كان المقصود منعهم من بلوغ السماء وإبعادهم عنها.
ومن هنا، يرى أصحاب هذه القراءة أن هذه المواضع جميعها تشير إلى خيط دلالي مشترك يتمثل في الإقصاء أو الإبعاد أو قطع الشيء عن الموضع الذي كان فيه أو عن الغاية التي يقصدها، بينما تختلف صورة هذا الإقصاء بحسب طبيعة كل سياق.
ففي بعض المواضع يكون الإبعاد معنويًا.
وفي مواضع أخرى يكون اجتماعيًا.
وفي مواضع يكون متعلقًا بالقول.
وفي مواضع يكون حسيًا، كما في رجم الشياطين بالشهب.
وعلى هذا الأساس، يقترح أصحاب هذه القراءة أن وسيلة الرجم ليست هي العنصر الثابت في جميع الآيات، وإنما الأثر الذي يحققه الرجم هو العنصر الذي يتكرر في كل استعمال، بينما تتغير الوسيلة والصورة بتغير السياق الذي ورد فيه اللفظ. وهذه القراءة لا تقوم على عزل آية عن أخرى، بل على محاولة فهم اللفظ من خلال جميع مواضعه، انطلاقًا من أن القرآن يفسر بعضه بعضًا، وأن اجتماع الاستعمالات قد يكشف من الدلالة ما لا يظهر عند الوقوف على موضع واحد فقط.
ويبقى الحكم النهائي للقارئ بعد تدبر الآيات جميعها، وموازنة هذه القراءة بما يظهر له من دلالات النص القرآني وسياقاته.
وختاماً، بعد جمع جميع المواضع التي ورد فيها لفظ ﴿الرَّجْم﴾ في القرآن، يتبين أن هذه الكلمة لم تُستعمل في سياق واحد، ولا في نوع واحد من الأحداث، وإنما جاءت في مشاهد متعددة، تتنوع فيها الشخصيات، وتتغير البيئات، وتختلف الوقائع. فهي ترد في الحديث عن إبليس، وفي قصة إبراهيم عليه السلام، وفي وصف أقوال قيلت بغير علم، وفي تهديد الأقوام لأنبيائهم، وفي قصة أصحاب الكهف، وفي استعاذة موسى عليه السلام، ثم في رجم الشياطين بالشهب.
ومع هذا التنوع، يظل السؤال الذي انطلقت منه هذه الدراسة حاضرًا:
هل جمع القرآن هذه المواضع تحت لفظ واحد لمجرد الاشتراك اللفظي، أم أن بينها أصلًا دلاليًا تتفرع عنه هذه الاستعمالات جميعًا؟
إن القراءة التي عُرضت في هذا المقال تنطلق من تتبع هذه السياقات مجتمعة، وترى أن الجامع بينها هو فكرة الإقصاء والإبعاد وقطع الشيء عن موضعه أو أثره، بينما تتنوع صورة هذا الإبعاد بحسب طبيعة كل سياق؛ فيكون إبعادًا من مقام، أو قطعًا لعلاقة، أو وصفًا لقول انفصل عن العلم، أو تهديدًا يهدف إلى إنهاء وجود الخصم أو دعوته، أو دحرًا للشياطين عن استراق السمع. ولا تقوم هذه القراءة على آية واحدة، بل على محاولة فهم اللفظ من خلال جميع مواضعه، انطلاقًا من أن القرآن يفسر بعضه بعضًا، وأن اجتماع السياقات قد يكشف من الدلالة ما لا يظهر عند قراءة كل موضع بمعزل عن غيره. ولهذا، فإن الغاية من هذا التتبع ليست إغلاق باب البحث، وإنما إعادة توجيه النظر إلى منهج قرآني أصيل؛ وهو أن الألفاظ القرآنية لا تُبنى دلالاتها من استعمال منفرد، بل من خلال مجموع استعمالاتها، حتى تتكامل الصورة ويصبح السياق القرآني نفسه هو الدليل الأول على فهم ألفاظ القرآن.
فإذا كان هذا التتبع للفظ الرجم قد نجح في إعادة طرح السؤال من داخل النص القرآني، فقد حقق غايته الأولى؛ لأن تدبر القرآن لا يبدأ عندما نجد الإجابة، بل عندما نعيد قراءة الآيات دون أن نسبقها بما استقر في أذهاننا.
