يكاد لا يمر يوم في حياة المسلم إلا ويكرر هذا الدعاء:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾
ومع كثرة التكرار، قد يغيب سؤال في غاية الأهمية:
من هم المغضوب عليهم؟ ومن هم الضالون الذين نستعيذ بالله من طريقهم في كل صلاة؟
اشتهر في كثير من كتب التفسير أن المقصود بـ المغضوب عليهم هم اليهود، وبـ الضالين هم النصارى، حتى ترسخ هذا الفهم في أذهان أجيال متعاقبة، وأصبح كثير من المسلمين يمرون بهذه الآية على أنها إشارة إلى أمم مضت أكثر من كونها تحذيرًا موجهًا إليهم.
غير أن التدبر في القرآن يفتح بابًا آخر للتأمل.
فهل أراد الله أن يظل المسلم يردد هذا الدعاء في كل ركعة، وهو يطلب النجاة من أوصاف لا يمكن أن تصيبه أصلًا لأنها مرتبطة بأقوام انتهى زمانهم؟ أم أن القرآن يجعل هذه الأوصاف مرتبطة بالأفعال والسلوكيات، بحيث يمكن لأي إنسان أن يسلك طريق النعمة، أو يقع في أسباب الغضب، أو يضل عن الهدى، مهما كان اسمه أو نسبه أو انتماؤه؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا يكفي الوقوف عند سورة الفاتحة وحدها، بل لا بد من جمع جميع الآيات التي تحدثت عن النعمة، والغضب، والضلال، ثم قراءة هذه الآيات في سياقاتها المختلفة؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا، ولا يمكن بناء تصور كامل من آية واحدة مع إغفال بقية المواضع.
ومن خلال هذا الاستقراء، يبرز نمط لافت؛ فالقرآن لا يربط هذه الأوصاف بهوية موروثة بقدر ما يربطها بأعمال تتكرر في الأمم والأفراد. فالنعمة تأتي مع الطاعة والاستقامة، والغضب يأتي مع أفعال محددة، والضلال يرتبط بالانحراف عن الهدى واتباع الهوى، وهي سنن لا تختص بجيل دون آخر، ولا بقوم دون غيرهم. ومن هنا، فإن دعاء الفاتحة لا يبدو مجرد تذكير بتاريخ الأمم السابقة، بل يصبح دعاءً يوميًا يراجع به المؤمن نفسه، ويسأل ربه أن يثبته على طريق المنعم عليهم، وأن يصرفه عن كل فعل يقوده إلى الغضب أو الضلال.
من هم الذين أنعم الله عليهم؟ وهل حددهم القرآن بوضوح؟
إذا كانت سورة الفاتحة قد علمتنا أن نسأل الله الهداية إلى صراط الذين أنعم عليهم، فإن أول سؤال يفرض نفسه هو:
من هم هؤلاء الذين أنعم الله عليهم؟
ولأن القرآن يفسر بعضه بعضًا، فإن الجواب لا يُطلب من خارج القرآن، وإنما من الآيات التي بيّن الله فيها من هم أهل هذه النعمة، وما الصفات التي استحقوا بها هذا الوصف.
وأول آية تجمع هذا المعنى بوضوح قوله تعالى:
﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾
وتلفت هذه الآية النظر إلى أن الله لم يجعل النعمة مرتبطة بانتماءٍ عرقي أو نسبٍ معين، بل ربطها ابتداءً بالطاعة:
﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾
ثم جاءت النتيجة:
﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾
فالمعيار الذي يقدمه القرآن هنا هو الطاعة، لا الهوية، ولا الانتساب إلى أمة بعينها.
ويزيد القرآن هذا المعنى بيانًا في موضع آخر، فيصف طائفة أخرى من المنعم عليهم بقوله:
﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾
ولا يكتفي السياق بذكر أنهم منعم عليهم، بل يذكر السمة التي ظهرت عليهم عند سماع الوحي:
﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾
فكان أثر الإيمان والعمل ظاهرًا في سلوكهم وخشوعهم.
ويبين القرآن كذلك أن شكر النعمة والعمل الصالح من أعظم أسباب دوامها، كما جاء في دعاء سليمان عليه السلام:
﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾
كما يربط القرآن بين الاستقامة والبشارة والطمأنينة، فيقول:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾
كما يضيف القرآن وصفًا آخر يكتمل به هذا الطريق، فيجعل التقوى والإحسان من أبرز سمات أهله، فيقول تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، فتكتمل بذلك صورة المنعم عليهم؛ فهم أهل إيمان وطاعة واستقامة، كما أنهم أهل تقوى وإحسان وإنفاق وعفو عن الناس.
وعند جمع هذه الآيات، تتضح ملامح صراط المنعم عليهم كما يرسمه القرآن؛ فهو طريق يقوم على الإيمان، والطاعة، والاستقامة، والخشوع، وشكر النعمة، والعمل الصالح. ولم تربط أي من هذه الآيات النعمة بانتماءٍ موروث، وإنما ربطتها بأعمال يمكن أن يتحقق بها كل من سلك سبيل الهدى، في أي زمان ومكان.
من هم المغضوب عليهم؟ وهل جعل القرآن الغضب مرتبطًا بقومٍ بعينهم؟
بعد أن بين القرآن صفات المنعم عليهم، تنتقل سورة الفاتحة إلى التحذير من طريق آخر، فنردد في كل صلاة:
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾
وهنا يبرز السؤال الذي يفرضه النص نفسه:
هل جعل القرآن الغضب الإلهي وصفًا ملازمًا لقوم بأعيانهم، أم أنه رتبه على أفعال محددة يمكن أن يقع فيها أي إنسان؟
وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد من جمع الآيات التي ورد فيها ذكر غضب الله، ثم النظر في الأسباب التي علق عليها هذا الغضب.
فعند الحديث عن القتل العمد، يقول الله تعالى:
﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾
فالآية لم تربط الغضب بقوم، وإنما ربطته بفعلٍ عظيم هو استباحة النفس بغير حق.
وعند الحديث عن الطغيان في نعم الله، يقول سبحانه:
﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾
فجعل سبب الغضب هو الطغيان، لا مجرد الانتساب إلى أمة معينة.
ويقول تعالى على لسان هود عليه السلام لقومه:
﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾
فارتبط الغضب هنا بابتداع ما لم ينزل الله به سلطانًا، والإصرار على الباطل بعد قيام الحجة.
ويقول سبحانه:
﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾
فجعل الغضب جزاء من يعاند الحق بعد ظهوره.
كما يقول تعالى:
﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ... وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾
وعند جمع هذه الآيات، يظهر أن القرآن يربط الغضب الإلهي بأعمال محددة؛ كالقتل بغير حق، والطغيان، والإصرار على الباطل، ومحادة الله بعد قيام الحجة، وسوء الظن بالله، وغيرها من الأفعال التي بينها القرآن. ولا تقتصر صور الغضب في القرآن على هذه الأمثلة، بل ترد مواضع أخرى رتب الله فيها الغضب على أفعال مختلفة؛ منها التولي يوم الزحف، والكفر بما أنزل الله بغيًا وحسدًا، والطغيان في النعم بعد معرفتها، وما ورد في آيات اللعان من تعليق الغضب على من ثبت عليه الكذب. وهذا التنوع يؤكد أن الغضب الإلهي ليس وصفًا ملازمًا لأمة بعينها، وإنما جزاء لأعمال تتكرر متى تكررت أسبابها.
ومن هنا، فإن الاستقراء القرآني يدعو إلى ملاحظة مهمة؛ وهي أن الغضب في هذه الآيات لم يُجعل وصفًا لازمًا لهوية موروثة، وإنما جاء جزاءً لأفعال وسلوكيات. وهذا يجعل دعاء المسلم في سورة الفاتحة دعاءً حيًا متجددًا، يسأل فيه ربه أن يجنبه كل طريق يؤدي إلى أسباب الغضب التي بينها القرآن، لا أن يكتفي بالنظر إليها بوصفها أحداثًا تخص أممًا مضت.
من هم الضالون؟ وما هي أسباب ضلالهم؟
إذا كان القرآن قد ربط الغضب بأفعال وسلوكيات محددة، فإن السؤال التالي يفرض نفسه:
هل الضلال في القرآن هو أيضًا وصفٌ مرتبط بهوية معينة، أم أنه نتيجة طريق يسلكه الإنسان باختياره؟
وللإجابة عن ذلك، لا بد من تتبع الآيات التي ورد فيها وصف الضلال، والنظر في الأسباب التي جعلت أصحابها يوصفون بهذا الوصف.
فعند الحديث عن المنافقين، يقول الله تعالى:
﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾
فالآية تصف الضلال بأنه نتيجة اختيار واعٍ؛ إذ استبدل أصحابه الهدى بالضلالة، فجاء الضلال ثمرة لهذا الاختيار.
ويقول سبحانه فيمن يكتمون ما أنزل الله:
﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾
ويتكرر المشهد نفسه؛ فالضلال لم يُنسب إلى أصلٍ أو نسب، وإنما إلى موقف من الحق بعد ظهوره.
وعند الحديث عن الشرك، يقول تعالى:
﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾
وعند الحديث عن الكفر والصد عن سبيل الله، يقول سبحانه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾
كما يبين القرآن أن الكفر بأصول الإيمان جميعها سبب من أسباب الضلال، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، حيث تؤكد هذه الآية أن الضلال لا يقتصر على صورة واحدة من صور الكفر، بل يشمل الإعراض عن أصول الإيمان التي أنزلها الله جميعًا.
ويقول عز وجل:
﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾
كما يربط القرآن الضلال باتباع الهوى، فيقول:
﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾
ويربطه كذلك بالغلو في الدين، فيقول:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾
ولا يقف القرآن عند هذه الأسباب وحدها، بل يذكر صورًا أخرى متعددة للضلال؛ كاتخاذ الشياطين أولياء من دون الله، ودعاء غير الله، والافتراء على الله لتضليل الناس، والقسوة عن ذكره، والإعراض عن دعوة الرسل، وإنكار الآخرة، والمماراة في أمر الساعة، وعدم الاستجابة لداعي الله. ويجمع هذه الصور كلها خيط واحد، وهو الإعراض عن الهدى الذي أنزله الله واستبداله بغيره.
وعند جمع هذه الآيات، يظهر أن القرآن يستعمل وصف الضلال في سياقات متعددة، لكن يجمعها خيط واحد؛ وهو الابتعاد عن الهدى الذي أنزله الله، سواء كان ذلك بالشرك، أو كتمان الحق، أو الصد عن سبيل الله، أو اتباع الهوى، أو الغلو، أو معصية أمر الله ورسوله. ولذلك، فإن الضلال في الميزان القرآني لا يبدو وصفًا ملازمًا لأمة بعينها، وإنما نتيجة لمسار يسلكه الإنسان عندما يعرض عن الهدى ويتبع غيره. ومن هنا، يصبح دعاء المسلم في سورة الفاتحة أكثر حضورًا في حياته؛ فهو لا يستعيذ من اسم جماعة أو من تاريخ أمة، وإنما يسأل الله أن يحفظه من كل طريق يقود إلى الضلال، أيًّا كان شكله، وأن يثبته على الهدى الذي أنزله لعباده.
هل تختص هذه الأوصاف بأممٍ بعينها... أم أنها ميزان قرآني يُوزن به كل إنسان؟
بعد جمع الآيات المتعلقة بالنعمة، والغضب، والضلال، تبرز ملاحظة تستحق الوقوف عندها؛ فالقرآن لا يكتفي بذكر هذه الأوصاف، بل يربطها دائمًا بأسبابها، ويبين الأفعال التي تفضي إليها، وكأن المقصود أن يوجه القارئ إلى السلوك قبل أن يوجهه إلى الأشخاص.
فقد يذكر القرآن قومًا وقع عليهم الغضب، لكنه في الوقت نفسه يبين الأفعال التي استحقوا بها هذا الوصف، كما يذكر أقوامًا ضلوا، ثم يشرح أسباب ضلالهم، حتى يتحول الخبر إلى عبرة، لا إلى مجرد سرد تاريخي.
ولهذا، فإن المسلم حين يقرأ في كل ركعة:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾
فإنه لا يقرأ آيات تتحدث عن الماضي فحسب، وإنما يدعو الله أن يوفقه إلى الطريق الذي أوصل غيره إلى النعمة، وأن يصرفه عن الأسباب التي أوقعت غيره في الغضب أو الضلال.
وهذا المعنى تؤيده طريقة القرآن في عرض السنن؛ فهو لا يجعل النجاة مرتبطة بالأسماء، وإنما بالأعمال.
قال تعالى:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97]
وقال سبحانه:
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: 123]
فهذه الآية تضع ميزانًا عامًا لا يستثني أحدًا، وتنقل الإنسان من الاتكال على الهوية أو الانتساب إلى مسؤولية العمل نفسه.
كما يقول تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]
فلم يجعل معيار الكرامة جنسًا، ولا نسبًا، ولا قومية، وإنما جعلها التقوى.
وعند قراءة هذه الآيات مع سورة الفاتحة، يظهر أن الدعاء بالهداية إلى صراط المنعم عليهم، والاستعاذة من طريق المغضوب عليهم والضالين، يتجاوز كونه تذكيرًا بتاريخ الأمم، ليصبح مراجعة يومية للنفس، يسأل فيها المؤمن: هل أسير في الأسباب التي تقود إلى النعمة، أم في الأسباب التي حذر الله منها؟
ومن هنا، تبدو سورة الفاتحة وكأنها تقدم ميزانًا دائمًا يزن به الإنسان أعماله، لا أسماء الناس؛ لأن القرآن يربط الجزاء بالأفعال، ويجعل الطريق مفتوحًا لكل من أطاع الله، كما يجعل التحذير قائمًا لكل من سلك أسباب الغضب أو الضلال، مهما كان انتماؤه أو نسبه.
وختاماً، بعد جمع الآيات التي تحدثت عن النعمة، والغضب، والضلال، تبدو سورة الفاتحة في ضوء جديد؛ فهي لا تذكر ثلاثة أصناف من الناس لمجرد التعريف بهم، وإنما ترسم ثلاثة مسارات كبرى يسلكها الإنسان في حياته. فصراط الذين أنعم الله عليهم هو طريق الإيمان، والطاعة، والاستقامة، والخشوع، وشكر النعمة، والعمل الصالح. ولذلك ربط القرآن هذا الوصف بمن أطاع الله ورسوله، وجعل صحبة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين ثمرة لهذا الطريق، فقال:
﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾
أما المغضوب عليهم، فإن القرآن لا يربط هذا الوصف باسم أمة أو نسب، وإنما يربطه بأفعال تستوجب غضب الله؛ كالقتل بغير حق، والطغيان، ومحادة الحق بعد ظهوره، وسوء الظن بالله، وغيرها من الأعمال التي نصت عليها الآيات. وكذلك الضالون، فإن القرآن يجعل الضلال نتيجةً للإعراض عن الهدى، أو الكفر بأصول الإيمان، أو الشرك، أو كتمان الحق، أو الصد عن سبيل الله، أو معصية الله ورسوله، أو اتباع الهوى، أو الغلو في الدين، أو سلوك غير ذلك من المسالك التي تبعد الإنسان عن هدي الله، وهي أوصاف تتعلق بالسلوك قبل أن تتعلق بالأشخاص.
ومن هنا، فإن المسلم حين يقرأ في كل ركعة:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾
فإنه لا يقرأ دعاءً يتعلق بالماضي وحده، بل يجدد عهدًا مع الله أن يسلك الطريق الذي يقود إلى رضوانه، وأن يجتنب كل سبب يؤدي إلى الغضب أو الضلال. وعند استقراء الآيات جميعها، يظهر أن القرآن يجعل العمل هو الميزان، لا الانتماء، ويجعل الطاعة سببًا للنعمة، كما يجعل المعصية والانحراف عن الهدى سببًا للغضب والضلال. ولذلك تتجاوز الفاتحة كونها افتتاحًا للصلاة، لتصبح ميزانًا يوميًا يراجع به المؤمن نفسه في كل ركعة؛ فيسأل: هل أسير في الطريق الذي أثنى الله على أهله، أم في طريق حذر الله من عواقبه؟ وهذا هو سر تكرار هذا الدعاء في كل صلاة؛ فالهداية ليست قرارًا يُتخذ مرة واحدة، بل توفيق متجدد يحتاجه الإنسان في كل يوم، كما أن أسباب الغضب والضلال ليست حوادث تاريخية انتهت، وإنما سنن قرآنية يحذر الله عباده من الوقوع فيها كلما تكررت أسبابها.
وبذلك يبقى القرآن موجِّهًا للمؤمن في كل زمان، يربط الجزاء بالأعمال، ويجعل الطريق إلى النعمة مفتوحًا لكل من أطاع الله، كما يجعل التحذير من الغضب والضلال قائمًا لكل من سلك أسبابهما، دون أن يكون ذلك مقصورًا على قوم أو جيل بعينه.
