اعتاد كثير من الناس أن ينظروا إلى الصلاة على أنها مجموعة من الشعائر تؤدى في أوقات محددة، لكن عند تدبر آيات القرآن تتسع دلالتها لتصبح منظومة متكاملة تقوم على الصلة، والتواصل، والاتصال، والعلاقات، وليست مجرد أداء لحركات أو ألفاظ.
وتمتد الصلاة في حياة الإنسان كلها، فتقوم على محورين متكاملين؛ محور رأسي يتصل فيه الإنسان بالله ليستمد منه المنهج، ومحور أفقي يترجم فيه هذا المنهج إلى سلوك عملي مع الناس والبيئة والحيوان والنبات. ومن خلال هذين المحورين يتحقق المقصد من الصلاة، وهو بناء إنسان صالح يسهم في بناء مجتمع يقوم على القيم الإنسانية.
ما معنى الصلاة؟
تبدأ كلمة الصلاة من معنى الصلة، والتواصل، والاتصال، وبناء العلاقات. فالإنسان لا يستطيع أن يعيش منفصلًا عن خالقه، كما لا يستطيع أن يعيش بعيدًا عن المجتمع الذي ينتمي إليه، ولذلك تقوم الصلاة على اتجاهين متلازمين.
- الاتجاه الأول هو الاتصال بالله سبحانه وتعالى، ومن خلاله يتلقى الإنسان المنهج والقانون الأخلاقي.
- أما الاتجاه الثاني فهو الاتصال بالناس والبيئة والمجتمع، حيث تتحول المبادئ التي تلقاها من الله إلى سلوك عملي يظهر في حياته اليومية.
وبذلك لا تكون الصلاة علاقة روحية منفصلة عن الواقع، بل تصبح وسيلة لنقل القيم الإلهية إلى المجتمع.
كيف تفسر خيوط بيت العنكبوت معنى الصلاة؟
ولتقريب الصورة، نتخيل الصلاة شبكة من الخيوط تشبه بيت العنكبوت. فالخيوط الرأسية تمتد إلى الله سبحانه وتعالى، ليستمد الإنسان منها المنهج، والقيم، والقانون الأخلاقي. أما الخيوط الأفقية فتتجه إلى الناس، والحيوان، والنبات، والبيئة، لتتحول تلك القيم إلى واقع عملي يعيشه الإنسان كل يوم.
ولا تكتمل هذه الشبكة إذا انقطع أحد الاتجاهين؛ لأن الاتصال بالله يمنح الإنسان المنهج، بينما الاتصال بالمجتمع هو الميدان الذي تظهر فيه آثار هذا المنهج.
لماذا يحتاج الإنسان إلى الصلاة؟
الإنسان مفطور على الحاجة إلى هذا الاتصال المستمر، فهو يحتاج إلى مصدر يستمد منه الرحمة، والحكمة، والسلام، والعدل، ثم يحول هذه المعاني إلى أعمال يراها الناس في حياته اليومية.
ومن هنا تصبح الصلاة وسيلة لبناء الإنسان من الداخل، ثم بناء المجتمع من الخارج، فلا تنفصل العلاقة بالله عن العلاقة بالناس.
كيف تتحول أسماء الله الحسنى إلى أخلاق يعيشها الإنسان؟
لا تقف الصلاة الرأسية عند حدود الذكر، بل تبدأ منها رحلة تحويل أسماء الله الحسنى إلى سلوك عملي.
- فعندما نتأمل اسم الرحمن نتعلم الرحمة ونعامل الناس بها.
- وعندما نتأمل اسم السلام نسعى إلى نشر السلم، والابتعاد عن العدوان، والإصلاح بين الناس.
- واسم المؤمن يجعل الإنسان مصدرًا للأمان والطمأنينة لكل من حوله.
- واسم الغفور يدفع إلى التسامح والعفو.
- واسم الرزاق يحث على نفع الآخرين وعدم السعي في قطع أرزاقهم.
- واسم العليم يحفز على طلب العلم ونشره.
- واسم الحليم يدرب الإنسان على ضبط نفسه عند الغضب.
وهكذا تتحول أسماء الله الحسنى إلى أخلاق يعيشها الإنسان في يومه، فتخرج الصلاة من حدود الشعيرة إلى واقع الحياة.
الصلاة النهارية
بعد فهم المعنى العام للصلاة، نتوقف عند الصلوات النهارية. ويمتد وقتها من شروق الشمس حتى مغيبها. ولا تنفصل هذه الصلوات عن حياة الإنسان، بل تتمثل في السعي، والعمل، والقيم، والأخلاق، وذكر الله من خلال تنفيذ أوامره. فالذكر هنا لا يقتصر على التلفظ بالألفاظ، وإنما يعني تطبيق أوامر الله في الحياة اليومية.
ولهذا تصبح ساعات النهار كلها مجالًا لإقامة الصلاة، لأن الإنسان يطبق خلالها ما تعلمه من منهج الله في معاملاته وأعماله.
ما قبلة الصلاة النهارية؟
قبلة الصلاة النهارية ليست مكانًا جغرافيًا، وإنما الصراط المستقيم. ويمثل الصراط المستقيم منظومة من القيم العملية التي وردت في القرآن، وتشمل عدم الشرك بالله، والإحسان إلى الوالدين، والوفاء بالعهد، والأمانة، والعدل، واجتناب الفواحش، وعدم قتل النفس، وعدم أكل مال اليتيم، وإقامة العدل في القول والعمل.
وهذه القيم هي القبلة التي ينبغي أن يتجه إليها الإنسان طوال نهاره.
لماذا يكون المجتمع الفاضل غاية الصلاة؟
لا يقف أثر الصلاة النهارية عند صلاح الفرد، بل يمتد إلى بناء مدينة ومجتمع فاضل يقوم على الرحمة، والعدل، والأمانة، والإحسان، والسلام.
ولهذا يدخل كل عمل يحقق هذه القيم في إطار الصلاة المتعدية.
فالعمل الصالح، والإحسان، والوفاء، والعدل، وكف الأذى، والإصلاح بين الناس، كلها صور من صور الصلاة النهارية.
الصلاة الليلية
أما القسم الثاني من هذه المنظومة فهو الصلاة الليلية. ويمتد وقتها من دلوك الشمس إلى غسق الليل حتى الفجر، وتكون قبلتها المسجد الحرام.
ويختلف دورها عن الصلاة النهارية؛ فالليل وقت استمداد المنهج، بينما النهار وقت تطبيقه.
وفي الليل يستدعي الإنسان أسماء الله الحسنى، ويتأمل معانيها، ويشحن نفسه بالقيم التي يحتاج إليها في اليوم التالي.
كيف تهيئ الصلاة الليلية الإنسان؟
تتحول الصلاة الليلية إلى محطة لإعادة بناء النفس. فيقف الإنسان مع أسماء الله الحسنى، ويحاول أن يحولها إلى طاقة نفسية تعينه على مواجهة الحياة.
- فمن اسم الرحمن يستمد الرحمة.
- ومن اسم الرحيم الرحمة بنفسه وبغيره.
- ومن اسم السلام يستمد السلم.
- ومن اسم المؤمن يستمد الطمأنينة.
- ومن اسم الجبار يتعلم جبر خواطر الناس.
- ومن اسم المحسن يتعلم إتقان العمل.
- ومن اسم الغفور يتعلم العفو.
وبذلك تصبح الصلاة الليلية مصدرًا للطاقة الأخلاقية التي يحتاجها الإنسان في نهاره.
كيف يكتمل التكامل بين الليل والنهار؟
لا ينفصل الليل عن النهار، فالليل يغذي النهار، والنهار يترجم ما أخذه الإنسان في الليل. فإذا انفصل أحدهما عن الآخر اختل التوازن.
ومن هنا يصنع التقسيم الرباني بين الليل والنهار التوازن الكامل في حياة الإنسان، فلا يكون الاتصال بالله منفصلًا عن خدمة الناس، ولا تكون خدمة الناس منفصلة عن الاتصال بالله.
لماذا لا تنهى الصلاة بعض الناس عن الفحشاء والمنكر؟
يبقى السؤال حاضرًا:
لماذا يصلي بعض الناس، ومع ذلك لا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر؟
قد يحافظ الإنسان على الخيوط الرأسية، ويهمل الخيوط الأفقية، فيكتفي بالاتصال بالله، دون أن يحول هذا الاتصال إلى أخلاق وسلوك. وقد يؤدي الصلاة وقلبه منشغل بالدنيا، فلا تتحول إلى وسيلة لتلقي المنهج. وقد ينسى أن الصراط المستقيم نفسه صلاة، وأن الإحسان إلى الوالدين صلاة، والعدل صلاة، والوفاء بالعهد صلاة، واجتناب الفواحش صلاة، وعدم أكل مال اليتيم صلاة.
كما أن نشر الرحمة باسم الرحمن صلاة، والجنوح إلى السلم باسم السلام صلاة، وأن يكون الإنسان مصدر أمان باسم المؤمن صلاة، وجبر خواطر الناس باسم الجبار صلاة، ومساعدة المحتاجين باسم الرزاق صلاة، والعفو باسم الغفور صلاة، ونشر العلم باسم العليم صلاة، وضبط النفس باسم الحليم صلاة.
وعندما تبقى الصلاة في حدود الشعيرة، ولا تتحول إلى سلوك يراه الناس في الحياة اليومية، فإنها لا تحقق الغاية التي تقوم عليها هذه المنظومة.
لا تُفهم الصلاة هنا بوصفها شعيرة معزولة، وإنما بوصفها منظومة متكاملة تقوم على محورين متلازمين؛ اتصال رأسي بالله لاستمداد المنهج، واتصال أفقي بالناس والبيئة لترجمة هذا المنهج إلى أخلاق وأعمال. فالليل زمن التزود بالقيم من خلال أسماء الله الحسنى، والنهار زمن تحويل تلك القيم إلى واقع عملي يبني الإنسان، ويصلح المجتمع، ويحقق الغاية التي تقوم عليها شبكة الصلاة في الحياة كلها.
