آية الزينة في القرآن الكريم: قراءة في معاني النساء والبنين والقناطير المقنطرة والخيل المسومة

تعد آية الزينة في سورة آل عمران من الآيات التي يكثر الحديث حولها، لأن ألفاظها ارتبطت في أذهان كثير من الناس بمعانٍ اعتادوا سماعها، بينما يرى هذا الطرح أن فهمها يحتاج إلى جمع ألفاظها، والرجوع إلى جذورها، وربطها بسياق الآية كلها. فالآية تتحدث عن مجموعة من الأشياء التي زينها الله للناس، ثم تختم بقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾، وهو ما يجعل جميع ما سبقها داخل إطار متاع الدنيا الذي ينتفع به الإنسان في حياته.

آية الزينة في القرآن الكريم: قراءة في معاني النساء والبنين والقناطير المقنطرة والخيل المسومة

لمن زُينت هذه الشهوات؟

نبدأ بقوله تعالى:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾.

ونتوقف أولًا عند لفظ الناس، فيبين أن القرآن يخاطب به الذكور والإناث جميعًا، كما يشمل الشعوب والقبائل، ولذلك فإن كل ما سيأتي بعد ذلك هو مما يشتهيه جميع الناس، وليس فئة دون أخرى.

ثم نلفت النظر إلى ختام الآية:

﴿ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.

فهذه العبارة تحدد طبيعة المذكورات كلها، فهي متاع وممتلكات ينتفع بها الإنسان في الدنيا، وليست كائنات عاقلة.

معنى النساء في آية الزينة

حمل لفظ النساء على معنى الإناث يثير إشكالًا، لأن الآية تقول إن هذه الشهوات زينت للناس جميعًا، والناس في القرآن يشمل الذكور والإناث.

ومن هنا علينا جمع جميع الآيات التي ورد فيها لفظ النساء، ثم دراسة استعمالاته المختلفة.

فاللفظ جاء في القرآن بأكثر من استعمال، ويرى أن أصله يرجع إلى النسيء، أي الشيء المستحدث أو المتأخر.

وانطلاقًا من هذا الأصل، فالنساء في آية الزينة هي الموديلات الأحدث من الأشياء التي يحرص الناس على اقتنائها.

ونضرب لذلك أمثلة من الواقع، مثل أحدث موديلات السيارات، والهواتف، والأجهزة الإلكترونية، والملابس، والساعات، والمجوهرات، وسائر المنتجات التي تتجدد باستمرار، فيسارع الناس إلى اقتناء أحدث إصداراتها. إن هذا التجدد هو الذي يحرك الأسواق، فلو بقيت المنتجات على نموذج واحد سنوات طويلة لبارت السلع، ولم يعد الناس يقبلون على شرائها كما يحدث مع ظهور كل إصدار جديد.

معنى البنين

إن تفسير لفظ البنين على أنه الأبناء الذكور يثير إشكالًا آخر، لأن الآية تتحدث عن متاع الدنيا، بينما الأبناء مخلوقات عاقلة، وليست من الممتلكات. ولذلك نبحث عن أصل الكلمة، وهو لفظ البنان، ثم بالبنيان،فالدلالة تعود إلى البناء والهيكل.

ومن هنا يُفسر البنين بأنها الأبنية والقصور والعمارات والصروح المشيدة التي يتنافس الناس على امتلاكها.

فالإنسان يسعى إلى اقتناء البيت الجميل، أو القصر الفاخر، أو البرج المرتفع، ويرى في ذلك جانبًا من زينة الحياة الدنيا.

وبذلك تصبح البنين إشارة إلى المنشآت العمرانية التي تشتهي النفوس امتلاكها.

القناطير المقنطرة من الذهب والفضة

بعد ذلك نتناول قوله تعالى:

﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾.

ونبدأ بالسؤال عن أصل لفظ القناطير.

فالكلمة ترتبط بالقنطور، ثم ننتقل إلى معنى المقنطرة، ونصل من خلال هذا المسار إلى أن المقصود هو المصوغات الذهبية والفضية. ونضرب لذلك أمثلة بالقلائد، والأساور، والخواتم، وسائر الحلي التي يصوغها الحرفيون من الذهب والفضة، ويتزين بها الناس.

وبذلك تصبح القناطير المقنطرة المصوغات الذهبية والفضية التي يقبل الناس على اقتنائها والتزين بها.

الخيل المسومة

دعونا نتدبر لقوله تعالى:

﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾.

فالمقصود هنا ليس الأحصنة، لأن الآية ذكرت بعد ذلك الأنعام، فنرى أن الخيل في هذا الموضع جاءت من الخيال والتخيل. ونفسر المسومة بأنها الموسومة باسم صانعها، أي الأشياء التي تحمل توقيع الفنان أو الحرفي الذي صنعها. ونضرب أمثلة باللوحات الفنية، والتماثيل، والسجاد الفاخر، والأثاث الفاخر، وسائر المقتنيات التي يبدعها الفنانون، ثم تحمل أسماءهم، فترتفع قيمتها، وتباع في المزادات بمبالغ كبيرة. فالناس يحرصون على اقتناء هذه القطع النادرة لما تمثله من قيمة فنية ورمزية، فتكون من زينة الحياة الدنيا التي يشتهيها الإنسان.

الأنعام والحرث

نصل إلى الأنعام، ومعناها الواضح في الآية، فهي الثروة الحيوانية التي يحرص الناس على امتلاك أجود أنواعها. ونضرب مثالًا بالإبل والماشية التي تقام لها المسابقات والمزاينات، وتباع أحيانًا بمبالغ كبيرة، لما تتمتع به من صفات مميزة. أما الحرث، فيُفسر بالمحاصيل الزراعية والثروة الزراعية التي تمثل مصدرًا من مصادر الرزق ومتاع الدنيا.

وبذلك تكتمل عناصر الآية، التي تجمع بين أحدث الموديلات، والأبنية، والمصوغات، والمقتنيات الفنية، والثروة الحيوانية، والثروة الزراعية.

لماذا ختمت الآية بمتاع الحياة الدنيا؟

بعد عرض جميع هذه العناصر، نعود إلى خاتمة الآية:

﴿ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.

ونرى أن هذه الخاتمة هي المفتاح الذي يجمع المعاني كلها، لأن الله وصف جميع ما سبق بأنه متاع ينتفع به الإنسان في الدنيا. فهي نعم أباحها الله لعباده، وجعل النفوس تميل إليها، لكنها تظل متاعًا مؤقتًا، لا ينبغي أن يشغل الإنسان عن الغاية الكبرى.

ولهذا يأتي ختام الآية مباشرة:

﴿وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾.

فهذه الآية لا تمنع الإنسان من الاستمتاع بهذه النعم، لكنها تذكره في الوقت نفسه بأنها ليست النهاية، وأن المرجع الأخير عند الله.

بين حب المتاع وعدم التعلق به

إن ميل الإنسان إلى هذه الأشياء أمر فطري، لأن الله هو الذي زينها للناس. فالناس بطبيعتهم يحبون الجديد، ويتطلعون إلى امتلاك البيوت الجميلة، ويقتنون الحلي، ويهتمون بالمقتنيات النادرة، ويحرصون على الثروة الحيوانية والزراعية. لكن المشكلة لا تكون في وجود هذه الرغبة، وإنما في أن تتحول إلى غاية تستولي على القلب، فينسى الإنسان أن جميعها متاع زائل.

ولهذا فالآية توازن بين الإقرار بحب الإنسان لهذه النعم، وبين تذكيره بأنها جزء من الدنيا، بينما حسن المرجع عند الله.

هذا وقد قدمنا لكم قراءة مختلفة لآية الزينة، تقوم على جمع الألفاظ، والرجوع إلى جذورها، وربطها بسياق الآية، ليصل إلى أن النساء تشير إلى أحدث الموديلات، والبنين إلى الأبنية والقصور، والقناطير المقنطرة إلى المصوغات الذهبية والفضية، والخيل المسومة إلى المقتنيات الفنية النادرة، بينما تدل الأنعام والحرث على الثروة الحيوانية والزراعية. ويؤكد في ختام القراءة أن هذه الأشياء جميعًا تمثل متاع الحياة الدنيا الذي زينه الله للناس، مع بقاء حسن المآب عند الله سبحانه وتعالى.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال